أحمد الفاروقي السرهندي
394
المكتوبات ( الدرر المكنونات النفيسة )
والقسم الاوّل محبّة ذاتيّة وهي أعلى أقسام المحبّة فإنّه لا يحبّ أحد شيئا مثل حبّه لنفسه وأيضا هذا القسم من المحبّة أحكم وأوثق فإنّها لا تزول بعروض عارض وأيضا متعلّق هذا القسم محبوب صرف ليست فيه شائبة المحبيّة بخلاف القسم الثاني فإنّها عرضيّة وقابلة للزّوال ومتعلّقه وإن كان من وجه محبوبا ولكن فيه محبّيّة أيضا من وجوه متعدّدة وحيث كان حسن خاتم الرّسل وجماله عليه الصّلاة والسّلام مستندين إلى حسن حضرة الذّات تعالت وجمالها كما مرّ يكون القسم الاوّل الذي هو متعلّق بالذّات متعلّقا به عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام بالضّرورة ويكون صلّى اللّه عليه وسلّم بتعلّق المحبّة كالذّات محبوبا صرفا ولمّا لم تكن هذه الدولة ميسّرة لغيره وقل نصيبهم من الحسن الذّاتيّ يتعلّق بهم من المحبّة القسم الثاني ويجعلهم محبوبا من وجه والمحبوب المطلق هو النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فإنّه كذات المحبّ محبوب دائما ويكون محسوسا انّ غلبة المحبّة الّتي هي في موسى للحقّ سبحانه وكان هو بتلك المحبّة رئيس المحبّين مثلها في الحقّ سبحانه لحضرة خاتم الرّسل عليه وعليهم الصّلاة والسّلام وكلّما يغوص هذا الفقير في بحر هاتين المحبّتين ليدرك التّفاوت بينهما قوّة وضعفا ويجد المحبّة الّتي هي في الخالق أشدّ من محبّة المخلوق بحكم فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ « 1 » لا يظهر التّفاوت أصلا وكأنّ هاتين المحبّتين وزنت بميزان العدالة متساويتين ولم يقع بينهما تفاوت بالزّيادة والنّقصان مقدار شعرة . ( فإن قيل ) إنّ الصّوفيّة العليّة حكموا بكون تمام أفراد العالم مظاهر الأسماء الإلهيّة ومجاليها ووجدوا حقائق الأشياء عين تلك الأسماء واعتقدوا أنّ الأشياء ظلال الأسماء فجعلوا تمام العالم ظهور الأسماء الإلهيّة فما وجه تخصيص ظهور بعض الأسماء بخلقته صلّى اللّه عليه وسلّم كما مرّ ؟ ( قلت ) إنّ حقائق الأشياء عند الصّوفيّة هي الأعيان الثابتة الّتي هي عبارة عن الصّور العلميّة للأسماء الإلهيّة لا الأسماء الإلهيّة أنفسها وقالوا : إنّ هذا العالم هو ظهور تلك الصّور العلميّة وإن قالوا إنّه ظهور الأسماء أيضا على سبيل التّجوّز بل الصّورة العلميّة للشّيء عندهم عين ذلك الشّيء لا شبح ذلك الشّيء ومثاله وما قاله هذا الفقير في خلقته صلّى اللّه عليه وسلّم ظهور نفس الاسم الإلهيّ جلّ شأنه لا ظهور الصّورة العلميّة لذلك الاسم شتّان ما بين نفس الشّيء وبين صورته العلميّة الا ترى أنّ النّار إذا تصوّرت في الأذهان أين لها الاشراق والإضاءة وقد كان كمال النّار وجمالها هو الإشراق والإضاءة وليس في صورتها العلميّة غير شبحها ومثالها قبله أرباب المعقول أو لا بل قالوا إنّها عين النّار ولكنّ كشفنا الصّريح مكذّب لقول من قال بالعينيّة وصورة النّار العلميّة ليست غير شبح النّار الموجودة في الخارج ويكون محسوسا أنّ كلّ ما هو ظهور الصّور العلميّة للأسماء إمكانه ووجوده من قبيل إمكان العالم ووجوده الذي تحقّق له ثبات وتقرّر بصنع اللّه تعالى في مرتبة الوهم وما هو ظهور الاسم الإلهيّ كما مرّ في خلقته صلّى اللّه عليه وسلّم
--> ( 1 ) - الآية : 56 من سورة المائدة ( فإن حزب اللّه هم الغالبون ) .