أحمد الفاروقي السرهندي

358

المكتوبات ( الدرر المكنونات النفيسة )

فإذا كانت المحبّة منشأ الألم والحزن فكلّ فرد تكون المحبّة فيها غالبا يكون الألم والحزن فيه أزيد ومن ههنا قيل " كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم متواصل الحزن " وقال عليه الصّلاة والسّلام " ما أوذي نبيّ مثل ما أوذيت " فإنّ الفرد الكامل من أفراد الإنسان في حصول المحبّة كان هو النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وإن كان هو عليه الصّلاة والسّلام محبوبا ولكن لمّا حصلت في البين نسبة المحبّة كان المحبوب المحبّ والها ومشغوفا وقد ورد في الحديث القدسيّ " الا طال شوق الأبرار إلى لقائي وأنا إليهم لأشدّ شوقا " وههنا سؤال مشهور وهو أنّ الشّوق إنّما يكون إلى المفقود ولا شيء مفقود عن حضرته تعالى فكيف يكون فيه الشّوق وما يكون أشدّ الشّوق . ( والجواب ) أنّ مقتضى كمال المحبّة هو رفع الاثنينيّة واتّحاد المحبّ مع المحبوب وحيث انّ هذا المعنى مفقود فالشّوق موجود ولمّا كان تمنّي الاتّحاد في جانب المحبوب لانّ المحبّ لعلّه يقنع بمجرّد وصال المحبوب كان اشدّ الشّوق في جانب المحبوب بالضّرورة ويكون تواصل الحزن من صفة الحبيب ( فإن قيل ) إنّ الحقّ سبحانه قادر على جميع الأمور وكلّ ما يريده ميسّر له فلا يكون شيء مفقودا في حقّه حتّى يتحقّق الشّوق ( أجيب ) انّ تمنّي أمر غير إرادته ومراده تعالى لا يتخلّف عن إرادته ولكن يجوز أن يوجد تمنّي أمر ولا توجد الإرادة بحصوله ولا يراد وجوده ( ع ) وكم في العشق من عجب عجيب * وأحيانا يكون المطلوب في العشق مجرّد الألم ولا يكون الوصل ملحوظا أصلا بل يراد الوصل ويهرب من اتّصال المحبوب وهذا قسم من أقسام جنون العشق بل من محاسن العشق من لم يذق لم يدر ( ولنرجع ) إلى أصل الكلام فنقول : إنّ الخلّة مقام عال جدّا وكثير البركة وكلّ من فيه أنس والفة وسكونة واطمئنان مع الآخر في عالم المجاز كلّ ذلك من ظلال مقام الخلّة وكذلك كلّ حظّ ولذّة واطمئنان بالصّور الحسنة والمظاهر الجميلة ناشئة من مقام الخلّة والمحبّة شيء آخر فإنّ فيها كيفيّة أخرى فلو لم يكن في البين خلّة وأنس والفة لما وجد مركّب أصلا ولا ينضمّ جزء بجزء آخر خصوصا إذا كانت بينهما نسبة التّضادّ بل لما ينضمّ وجود إلى ماهيّة ما أصلا بل لا يدخل شئ من العالم تحت إيجاد الواجب تعالى فانّ المحرّك لسلسلة الايجاد والباعث على وجود الأشياء هو الحبّ " فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق " حديث قدسيّ والحبّ فرد كامل من الخلّة كما مرّ فلو لم تكن الخلّة لما وجد شيء من الأشياء ولا يجتمع شيء بشيء ولا يحصل بين الشّيئين الفة ووجود العالم ونظامه كلاهما مربوطان بالخلّة فلو لم تكن خلّة لكان النّظام كالوجود مفقودا فكانت الخلّة أصل الإيجاد من جانب الموجد ومن الموجود فإنّ الذي جعل الممكن مأنوسا لقبول الوجود وأورده في قيد الإيجاد هو الخلّة بل العدم أيضا مطمئنّ ومستريح في بيت خلوته بدولة الخلّة مؤانس بلا شيئيّته بل مؤتلف ومؤانس بنقيضه أيضا ولهذا صار مرآة لكمالاته وواسطة لوجود الممكنات فكانت الخلّة أكثر بركة من جميع الأشياء وكانت بركاتها شاملة للموجود والمعدوم فإذا علمت معارف مقام الخلّة ودقائقها وعموم بركاتها