أحمد الفاروقي السرهندي
348
المكتوبات ( الدرر المكنونات النفيسة )
هي ما تكون وراء الظّهورات والصّور وتكون من عالم لا كيفيّ ولا مثليّ ينبغي الإيمان بالرّؤية الاخرويّة دون أن يشتغل بكيفيّتها وكمّيّتها ولميّتها لا مناسبة لخلق الآخرة ووجودها بخلق الدنيا ووجودها أصلا حتّى تقاس أحكام إحداهما على أحكام الأخرى والبصر هناك غير البصر الذي هنا والفهم والإدراك هناك غير الفهم والإدراك اللّذين هنا لها الدوام والأبد ولهذا الفناء والزّوال ولها كمال النّظافة وتمام اللّطافة ولهذه غاية الخبث ونهاية الكثافة والشّيخ قدّس سرّه لا يثبت للحقّ جلّ وعلا ظهورا في خارج موطن العلم ولا يجوّز فيما وراء المجالي والمظاهر شهودا ومشاهدة ورؤية ( ع ) وذلك رأي غير ما هو رأيهم * فماذا نفعل ؟ لا أحد في هذه العرصة غير الشّيخ - قدّس سرّه - فأحيانا نحاربه وأحيانا نصالحه وهو الذي أسّس كلام المعرفة والعرفان وشرحه وبسطه وهو الذي تكلّم من التّوحيد والاتّحاد بالتّفصيل وبيّن منشأ التّعدّد والتّكثّر وهو الذي أعطى الوجود بالكلّيّة للحقّ جلّ وعلا وجعل العالم موهوما ومتخيّلا وهو الذي أثبت للوجود التّنزّلات وميّز أحكام كلّ منها عن أحكام الآخر وهو الذي اعتقد العالم عين الحقّ وقال كلّه هو ومع ذلك وجد مرتبة تنزيه الحقّ سبحانه وراء وراء العالم واعتقد الحقّ سبحانه منزّها ومبرّأ من الرّؤية والإدراك والمشايخ المتقدّمون على الشّيخ إن تكلّموا في هذا الباب تكلّموا بالإشارات والرّموز ولم يشتغلوا بالشّرح والتّفصيل والذين جاءوا من بعد الشّيخ من هذه الطّائفة اختار أكثرهم تقليد الشّيخ وساق الكلام على طبق اصطلاحه ونحن المتأخّرون العاجزون أيضا استفضنا من بركاته ونلنا حظّا وافرا من علومه ومعارفه جزاه اللّه سبحانه عنّا خير الجزاء غاية ما في الباب أنّه لمّا كان كلّ من مظانّ الخطأ ومجال الصّواب مختلطا بالآخر بحكم البشريّة والإنسان أحيانا مخطئ وأحيانا مصيب فلا جرم كان اللّازم جعل الموافقة لأحكام السّواد الأعظم الذين هم أهل الحقّ علامة للصّواب ومخالفتهم دليلا للخطأ أيّا من كان القائل وأيّا ما كان المقول قال المخبر الصّادق عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام " عليكم بالسّواد الأعظم " ومقرّر أيضا أنّ تكميل الصّناعة بتلاحق الافكار واختلاف الانظار وإن كان يمكن أن يقال لسيبويه إنّه بنى أحكام علم النّحو ولكنّ النّحو الذي حصل له بتلاحق أفكار المتأخّرين واختلاف أنظارهم كمال وتنقيح شيء آخر حيث حدث فيه زينة أخرى حتّى يمكن أن يقال إنّه نوع آخر وعرض عليه أحكام على حدة رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً « 1 » ( 80 ) المكتوب الثمانون أيضا إلى حضرة المخدوم محمّد معصوم سلّمه اللّه في بيان استناد الأشياء إلى ذات العارف الموهوبة
--> ( 1 ) - الآية : 10 من سورة الكهف .