أحمد الفاروقي السرهندي

336

المكتوبات ( الدرر المكنونات النفيسة )

قدرته تعالى وقائمة بها وكمال هذا التّجلّي هو أن تختفي تلك الصّفات الظّلاليّة عن نظر السّالك بالتّمام وتكون ملحقة بأصولها ويجد نفسه الذي كان موصوفا بهذا الصّفات خاليا عنها كالجماد بلا حياة ولا علم ولا يجد في نفسه أثرا من الوجود وكمالاته وتوابعه حتّى لا يكون هناك ذكر ولا توجّه ولا حضور ولا شهود فلو كان بعد اللّحوق بالأصل توجّه فهو متوجّه من نفسه إلى نفسه وان حضور فحاضر بنفسه مع نفسه ونصيب السّالك من هذا المقام حصول حقيقة الفناء والاضمحلال وانتفاء انتساب الكمالات الّتي كان ينسبها إلى نفسه بزعمه وأداء الأمانة الّتي كان يظنّ تهمة وكذبا أنّها من نفسه إلى أهل الأمانة وزوال مورد كلمة أنا أيضا على حدّ لو تشرّف بالبقاء لا يكون موردا لأنا ولا يقدر أن يعبّر عن نفسه بأنا وإن وجد نفسه عين أصله لا يتيسّر له مجال إطلاق أنا على ذلك الأصل ولا يقدر أن يقول إنّه عين الأصل فإنّ الانانيّة قد زالت عنه وقول " أنا الحقّ " إنّما هو لعدم حصول هذه النّسبة وإجراء " سبحاني " على اللّسان لعدم الوصول إلى هذه الدولة ولكن ينبغي حمل صدور أمثال هذه الالفاظ عن الأكابر على توسّط أحوالهم واعتقاد كمالهم وراء هذا القيل والقال والفناء الذي هو حقيقة الانمحاء والاضمحلال وإن كانت منتهى تجلّي الصّفات ولكنّ حصوله من أشعّة تجلّي الذّات وما لم تتجلّ الذّات لا تتيسّر دولة الفناء بل لا يتمّ تجلّي الصّفات أيضا ما لم تجد لم تتخلّص ومن تجلّي الذّات تزول بقيّة العارف الّتي ترى له كالجماد وتلك البقيّة هي العدم الذي هو أصل جميع الممكن وقد حصل له من انعكاس صفات حضرة الوجوب تعالى وتقدّست فيه امتياز وتشخّص وكان بهذه المرآتيّة ممتازا من أعدام أخر ولمّا صارت تلك الظّلال المنعكسة ملحقة بأصولها لم يبق بين تلك الاعدام ما به الامتياز وصار هذا العدم الخاصّ أيضا ملحقا بالعدم المطلق فحينئذ لم يبق من العارف اسم ولا رسم لا تبقى ولا تذر كما أنّ الوجود وتوابع الوجود ودعه وراح كذلك هذا العدم فارقه أيضا ولحق بأصله واستراح ( ينبغي ) أن يعلم أنّ امتياز هذا العدم من أعدام أخر الذي حصل بواسطة حصول ظلال الصّفات فيه كان باعتبار التّوهّم وفي الحقيقة لم يكن فيه ظلّ أصلا مثل مرايا أخر فإنّ حصول الصّور فيها باعتبار التّوهّم فإذا كان حصول الظّلال فيها باعتبار التّوهّم يكون امتيازه أيضا وهميّا فكما أنّ وجود الممكن باعتبار التّوهّم يكون عدمه أيضا باعتبار التّوهّم فما أعطي في خارج دائرة الوهم موضع قدم فإنّ الوجود والعدم في الحقيقة على صرافة إطلاقهما ما لذاك عرض تنزّل ولا لهذا حصل ترقّ ومن كمال اقتدار الصّانع تعالى خلق العالم في مرتبة الوهم من ذاك وهذا وأتقنه وجعل المعاملة الابديّة والمجازاة السّرمديّة منوطة به وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ * « 1 » وما قلت فيما سبق انّ حصول دولة الفناء من أشعّة تجلّي الذّات يعني أنّ حصول نفس تجلّي الذّات بعد حصول دولة الفناء ما لم تتخلّص لم تجد والفرق بين أشعّة التّجلّي ونفس التّجلّي كالفرق بين إسفار الصّبح وطلوع الشّمس فإنّ في وقت الإسفار ظهور أشعّة تجلّي الشّمس وبعد الطّلوع نفس تجلّي الشّمس وربّما لا

--> ( 1 ) - الآية : 20 : من سورة إبراهيم .