أحمد الفاروقي السرهندي
317
المكتوبات ( الدرر المكنونات النفيسة )
قنطرة الحقيقة إلى الحقيقة ولكنّ الاجتناب عن النّظرة الثانية الّتي ورد في حقّها النّظرة الثانية عليك لازم في ذلك الوقت فإنّها مضرّة وسمّ قاتل فكيف يتصوّر منه الإمداد والإعانة ؟ وما جعل اللّه لك في الحرام شفاء وقد صار محسوسا أنّه إذا وقع النّظر الثاني بالطّمع الفاسد يرى مرميّا خاليا كسائر الحجر والمدر والذين يعتقدون النّظرة الثانية والثالثة والرّابعة المتعلّقة بالمظاهر الجميلة مفيدة ويزعمونها من أسباب العروج إلى الحقيقة فهم أرباب الاستدراج والحقيقة الذين يزعمون أنّهم يعرجون إليها من عالم المجاز قوله تعالى قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ « 1 » كاف في ردّ هذه الجماعة وربّما تكون ظلمات الجوار نافعة في تلك الوقعة وكفر الجيران وفسقهم ممدّا في هذه المعاملة حتّى إنّه كلّما تزيد الظّلمة يزيد الإمداد لا لما قيل : إنّ الفيوض الواردة على المستغرقين في ظلمة الغفلة لا تصل عليهم لعدم قابليّتهم لها بل تتوجّه إلى من يكون في جوارهم بالحضور والجمعيّة وهو يترقّى بفيوض الآخرين فإنّ الامر ليس كذلك لانّه يمكن أن يقال إنّ تلك الفيوض الواردة لا تصل إلى حوالي ذلك العارف بواسطة علوّ درجته فضلا عن أن تمدّه في العروج وشأن هؤلاء الأكابر عال لا ينفع في شؤونهم كلّ عمل وفيض بل ثمّة سرّ دقيق منكشف لأرباب ذلك الحال والقدر الممكن إظهاره أنّ الظّلمة أيضا يحتاج إليها لأجل كمال ظهور النّور ولعلّكم سمعتم : وبضدّها تتبيّن الأشياء ولمّا كان ارتكاب الظّلمة منهيّا عنه اعتبرت ظلمة الجوار أيضا من كمال الكرم وجعلت نافعة في ظهور النّور الذي هو نور الأنوار ( فإن قيل ) كيف لا يكون للطّاعات والعبادات خصوصا أداء الفرائض نفع في ذلك الموطن ؟ ولم لا تمدّ في العروج ؟ ( قلت ) لم لا تكون نافعة ولم لا تمدّ في العروج ولكنّ النّفع والإمداد المعتدّ بهما المتحقّقان سابقا ليسا بحاصل في ذلك الوقت وليس لها نفع كنفع الأسباب الخارجيّة المذكورة فيما سبق وأمثالها واللّه سبحانه أعلم بحقيقة الحال سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ « 2 » وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى « 3 » . ( 62 ) المكتوب الثاني والسّتّون إلى حضرة المخدوم زاده الخواجة محمّد معصوم مدّ ظلّه العالي في بيان انتفاء الفناء الوجوديّ عن الإنسان بناء على عدم الذّاتيّ إنّ حقيقة الإنسان وذاته هي النّفس النّاطقة المشار إليها لكلّ فرد من أفراد الإنسان بلفظ " أنا " وحقيقة النّفس النّاطقة العدم وقد توهّمت نفسها بواسطة انعكاس الوجود والصّفات الوجوديّة موجودة
--> ( 1 ) - الآية : 30 من سورة النور . ( 2 ) - الآية : 32 من سورة البقرة . ( 3 ) - الآية : 48 من سورة طه .