أحمد الفاروقي السرهندي
315
المكتوبات ( الدرر المكنونات النفيسة )
هو الحقّ المبين سبحانه من لا يتغيّر بذاته ولا بصفاته ولا في أسمائه بحدوث الأكوان فإنّ كلّ تغيّر وتلوّن وقع في حدوث الأكوان فإنّما هو في مراتب العدم ولم يتطرّق إلى حضرة الوجود تعالى وتقدّس تنزّل ولا تبدّل لا في الخارج ولا في العلم أصلا بيانه أنّ الحقّ سبحانه لمّا أراد أن يظهر كمالاته الذّاتيّة والصّفاتيّة والاسمائيّة وأن يجليها في مجالي الأشياء ومراياها عيّن لكلّ كمال في مراتب العدم نقيض ذلك الكمال المقابل له والمتميّز عن سائر الاعدام بالإضافة إليه ليكون مرآة له فإنّ مرآة الشّيء مقابل الشّيئ وسبب لظهوره وبضدّها تتبيّن الأشياء والاعدام الّتي فيها قابليّة لأن تكون مرايا للكمالات أوجدها في مرتبة الحسّ والوهم في أيّ وقت أراد وأعطاها الاستقرار والاستحكام وجعل جميع تلك الكمالات منعكسة فيها وصيّر تلك الاعدام بذلك الانعكاس حيّا وعالما وقادرا ومريدا وبصيرا وسميعا ومتكلّما في تلك المرتبة ولكن قد كان محسوسا أنّه قد يتصرّف أوّلا في العدم من غير أن يجعل فيه شئ آخر ويجعل هو بذلك التّصرّف ملائما وليّنا ثمّ يظهر فيه الكمال كما أنّ الشّمع يجعل أوّلا ليّنا وملائما ثمّ يصوّر بعد ذلك صورا وأشكالا ( ينبغي أن يعلم ) أنّ المراد هنا من العدم هو العدم الخارجيّ المقابل للوجود الخارجيّ فلا يكون منافيا لإيجاده الواقع في مرتبة الوهم مع أنّا نقول : إنّ المنافي للعدم هو الوجود الذي نقيضه ولا يصير العدم وجودا وأمّا إذا كان موجودا لا يلزم منه محذور أصلا كما قالوا في الوجود : إنّه من المعقولات الثانويّة ولا وجود لها في الخارج بل هي معدومة فيه ( فعلم ) من هذا التّحقيق أنّ حقائق الأشياء أعدام انعكست فيها كمالات مرتبة الوجود تعالت وتقدّست وحصلت لها بإيجاد اللّه تعالى تحقّق وثبوت وهميّ واستقرار واستمرار في مرتبة الحسّ والوهم وكان ذوات الأشياء تلك الاعدام وانعكاس الكمالات فيها بمثابة قواها وجوارحها وبعد تمهيد هذه المقدّمات نذكر في بيان المقصد الاصليّ الذي يتعلّق بالولاية الخاصّة كلمات ينبغي استماعها بسمع العقل ( اعلم ) أرشدك اللّه وهداك سواء الطّريق : أنّ حقيقة الإنسان وذاته العدم الذي هو حقيقة النّفس النّاطقة الّتي يعبّر عنها في الابتداء بالنّفس الامّارة وكلّ فرد من أفراد الإنسان يشير بلفظ أنا إليها فتكون ذات الإنسان هي النّفس الأمّارة وتكون سائر لطائف الإنسان كالقوى والجوارح لها وحيث انّ العدم شرّ محض في حدّ ذاته لم يشمّ رائحة من الخيريّة تكون النّفس أيضا شرّا محضا لا تكون فيها رائحة من الخيريّة ومن خباثتها وجهلها تدّعي الكمالات الظّاهرة فيها بطريق الانعكاس والظّلّيّة لنفسها وتنسب قيام تلك الكمالات الثابتة بأصلها إلى نفسها وتزعم نفسها بتلك الكمالات كاملة وخيرا وتكتسب من هذه الحيثيّة دعوى السّيادة وتشرك نفسها بربّها في الكمالات وتظنّ الحول والقوّة من نفسها وتزعم نفسها متصرّفة وتريد أن يكون الكلّ تابعا لها وتحبّ نفسها أكثر من الكلّ وتحبّ غيرها لنفسها لا لأجلهم ومن هذه التّخيّلات الفاسدة تكتسب عداوة ذاتيّة لمولاها ولا تذعن بأحكامها المنزّلة بل تتّبع هواها وورد في الحديث القدسيّ " عاد نفسك فإنّها انتصبت لمعاداتي " وبعث اللّه سبحانه الأنبياء عليهم السّلام من كمال رأفته ورحمته رحمة للعالمين ليدعوا الخلق