أحمد الفاروقي السرهندي

281

المكتوبات ( الدرر المكنونات النفيسة )

يَحْزَنُونَ « 1 » بيان لعلامة حال أهل هذا الإيمان فإنّ الولاية لا تتصوّر بدون هذا الإيمان وإن كان يمكن إطلاق اسم الولاية في مرتبة الجمع أيضا ولكنّ النّقص والقصور لازم تلك المرتبة دائما فإنّ الكمال في الإيمان والمعرفة لا في الكفر والجهل أيّ كفر وأيّ جهل كان فصحّ ما قال الشّيخ فإنّه ما لم يتحقّق بكفر الطّريقة لا يشرّف بإسلام الحقيقة ( وما ) قال إنّه ما لم يقطع رأس أخيه لا يكون مسلما فالمراد من الأخ الشّيطان الذي يولد معه ويكون قرينه ويدلّه على الشّرّ والفساد دائما كما ورد في الحديث على قائله الصّلاة والسّلام " ما من ابن آدم إلّا ومعه قرين من الجنّ قالوا : ومعك يا رسول اللّه ؟ قال : نعم ولكن أعانني اللّه عليه فأسلم " يعني من شرّه إن كان بصيغة المتكلّم أو فأسلم شيطاني إن كانت الرّواية بصيغة الماضي وهذه الرّواية الأخيرة مشهورة وقتل هذا القرين عبارة عن عدم الانقياد إليه واستحقاره واسترذاله . ( فإن قيل ) إنّ الإنسان مع وجود العقل والفراسة فيه لم يكن مغلوبا للشّيطان ويرتكب غير مرضاته تعالى . ( أجيب ) انّ الشّيطان فتنة وبلاء سلّطه اللّه سبحانه على عباده للابتلاء والامتحان وجعله مستورا عن نظرهم ولم يطلعهم على أحواله وجعله بصيرا بأحوالهم وأجراه مجرى الدم منهم والسّعيد من يكون محفوظا بعناية اللّه تعالى من كيد مثل هذا البلاء ومكره ومع ذلك ذكر اللّه سبحانه كيده في القرآن المجيد بالضّعف وجرّأ السّعداء وشجّعهم نعم إنّ حكم الشّيطان بهذا التّسلّط مع إعانة اللّه لعبده حكم الثعلب وبدون إمداد فضله أسد مفترس . ( شعر ) الا فأعطني قلبا ترى من جسارة * * * * الأسود وإن الفيتني قبل ثعلبا ( والجواب الآخر ) انّ الشّيطان ربّما يجيئ من طرق أهواء النّفس ويدلّه على المشتبهات فيجد النّصرة عليه بالضّرورة بإعانة النّفس الأمّارة الّتي هي عدوّ المنزل ويجعلها منقادة لنفسه وكيد الشّيطان ضعيف في حدّ ذاته وإنّما يفعل ما يفعل بإعانة من يؤوي العدوّ إليه وبلاؤنا في الحقيقة هو النّفس الامّارة الّتي هي عدوّة أرواحنا لا أحد عدوّ لنفسه الّا هذه الخسيسة والعدوّ الخارجيّ إنّما يصنع ما يصنع بإمدادها فينبغي أوّلا أن يقطع رأس النّفس وأن يمتنع عن الانقياد إليها والازدراء بها وإهانتها ورأس الأخ يقطع في ضمن هذا الجهاد ويصير حقيرا وذليلا وحجاب طريق السّالك وسدّه هو نفسه والأخ خارج عن المبحث فإنّه يدعو إلى الشّرّ من بعد ومن صراط مستقيم إلى سبل معوجّة ودفع العدوّ الخارجيّ بعد التّخلّص من انقياد النّفس متصوّر بإمداد اللّه تعالى بأسهل الوجوه إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ * « 2 » بشارة للعباد الذين تخلّصوا من رقّيّة النّفس وأخلصوا العبادة للمعبود الحقيقيّ واللّه سبحانه الموفّق ( وما قال ) من أنّه ما لم تتزوّج بأمّه لا يكون مسلما ( يمكن ) أن يكون مراده بأمّه عينه الثابت الذي هو سبب ظهور

--> ( 1 ) - الآية : 62 من سورة يونس . ( 2 ) - الآية : 42 من سورة الحجر والآية : 65 من سورة الإسراء .