أحمد الفاروقي السرهندي

275

المكتوبات ( الدرر المكنونات النفيسة )

( 30 ) المكتوب الثلاثون إلى المير محمّد نعمان في بيان العروج إلى مراتب الأصول ومراتب العبادات الحمد للّه ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على سيّد المرسلين : ومرتبة الإنسان في آخر الورى * * * * لذلك عن عزّ الحضور تأخّرا فلو لم يعد من بعده واغترابه * * * * فلا شيء محروم كأنس من الورى فإذا وقع له العروج بعناية اللّه تعالى إلى أصوله الّتي هو كالظّلّ لها يكون له في كلّ أصل من تلك الأصول فناء وبعده بقاء به وبهذا الفناء والبقاء يزول إطلاق لفظ أنا عن ذلك الظّلّ ويطلق على ذاك الأصل الذي كان فانيا فيه وباقيا به ويرى نفسه عين ذاك الأصل وكذلك إذا وقع له العروج بكرم الحقّ جلّ وعلا من ذاك الأصل يحصل لأصله الاوّل فناء وبقاء بالأصل الذي هو فوق ذاك الأصل وذاك الأصل كالظّلّ له يزول إطلاق أنا من الأصل الاوّل ويقع في الأصل الثاني ويجد نفسه عين ذلك الأصل الثاني وإذا وقع العروج من الأصل الثاني إلى الأصل الثالث يتقرّر إطلاق أنا على الأصل الثالث الذي الأصل الثاني ظلّه وهذه النّسبة كائنة في كلّ أصل تحتانيّ مع الأصل الفوقانيّ الذي الأصل التّحتانيّ كالظّلّ له يعني إذا وقع العروج بمحض فضل اللّه سبحانه من الظّلّ إلى الأصل يزول إطلاق أنا من ذلك الظّلّ ويقع على الأصل ويجد نفسه عين ذلك الأصل إلى ما شاء اللّه تعالى على تفاوت درجات الاستعداد وتصير تلك الأصول بتلك الكثرة والرّفعة أجزاءه وتجعل القطرة بحرا وتصير الذّرّة جبلا فإذا كانت هذه الأصول أجزاءه فلا جرم يكون من كمالاتها وبركاتها نصيب كامل له ويكون كماله جامعا لكمالات تلك الأجزاء فينبغي أن يعرف هنا فرق ما بين الإنسان الكامل وسائر أفراد الإنسان فإنّه بحر محيط وهؤلاء كقطراته المحقّرة فهؤلاء كيف يعرفونه وما يدركون من كماله ونعم ما قيل : إلهي ما هذا الذي جعلت أولياءك بحيث من عرفهم وجدك وما لم يجدك لم يعرفهم وكما أنّ بين الإنسان الكامل والإنسان النّاقص تفاوتا بقلّة الاجزاء وكثرتها بين طاعاتهما وحسناتهما أيضا تفاوت بقدرها إذا أعطي شخص مثلا مائة لسان فيذكر الحقّ سبحانه بكلّ لسان منها أيّ نسبة تكون له بمن أعطي لسانا واحدا يذكر اللّه تعالى به وينبغي أن يقيس الإيمان والمعرفة وسائر الكمالات على هذا المعنى رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا وَاغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ « 1 » الحمد للّه ربّ العالمين أوّلا وآخرا والصّلاة والسّلام على رسوله دائما وسرمدا وعلى آله الكرام وصحبه العظام إلى يوم القيام .

--> ( 1 ) - الآية : 8 من سورة التحريم .