أحمد الفاروقي السرهندي

234

المكتوبات ( الدرر المكنونات النفيسة )

( 5 ) المكتوب الخامس إلى السّيّد المير محمّد نعمان في بيان بعض الأحوال والأذواق الخاصّة بحضرة شيخنا مدّ ظلّه العالي الحمد للّه وسلام على عباده الذين اصطفى لا يخفى أنّه ما لم تتجلّ عناية اللّه سبحانه بعنايته تعالى بصورة جلاله وغضبه تعالى ولم أكن محبوسا في قفص السّجن لم أتخلّص من مضيق الإيمان الشّهوديّ بالكلّيّة ولم أخرج من سكك ظلال الخيال والمثال بالتّمام ولم أتبختر في طريق الإيمان الغيبيّ مطلق العنان ولم أتحوّل من الحضور إلى الغيب ومن العين إلى العلم ومن الشّهود إلى الاستدلال على وجه الكمال ولم أجد محاسن الآخرين عيوبا وعيوبهم محاسن بالذّوق الكامل والوجدان الصّادق ولم أذق زلال الذّلّ والانكسار ولذائذ مربّى الحقارة والفضيحة والافتقار ولم أحتظّ من جمال طعن الخلق وملامتهم ولم التذّ بحسن بلاء النّاس وجفائهم ولم أترك الإرادة والاختيار بالكلّيّة كائنا كالميّت بين يدي الغسّال ولم أقطع حبال التعلّقات الآفاقيّة والانفسيّة على وجه التّمام والكمال ولم أحز حقيقة التّضرّع والالتجاء والإنابة والاستغفار والذّلّ والانكسار ولم أشاهد قسطاس استغناء الحقّ سبحانه الرّفيع المنزلة المحفوف بسرادقات العظمة والكبرياء ولم أعتقد نفسي عبدا حقيرا ذليلا عديم الاعتبار العاري عن الخاصّيّة مفقود الاقتدار كامل الاحتياج والافتقار وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي « 1 » فلو لم يكن تواتر الفيوض والواردات الإلهيّة جلّ سلطانه وتوالى عطيّاته وإنعاماته اللّا متناهية في دار المحنة هذه شاملا لحال هذا العبد المكسور البال كادت المعاملة تنجرّ إلى اليأس وأوشك حبل الرّجاء أن ينقطع الحمد للّه الذي عافاني في عين البلاء وكرّمني في نفس الجفاء وأحسن لي في حالة العناء ووفّقني على الشّكر في السّرّاء والضّرّاء وجعلني من متابعي الأنبياء ومن مقتفي آثار الأولياء ومن محبّي العلماء والصّلحاء صلوات اللّه سبحانه وتسليماته على الأنبياء أوّلا وعلى مصدّقهم ثانيا . ( 6 ) المكتوب السّادس إلى صاحب المعارف الشّيخ بديع الدين في بيان أنّ إيلام المحبوب وجلاله أحبّ من إنعامه وجماله الحمد للّه وسلام على عباده الذين اصطفى وصلت الصّحيفة الشّريفة المرسلة مصحوبة بالشّيخ فتح اللّه وقد كتبتم الشّكاية من جفاء الخلق وملامتهم والحال أنّها عين جمال هذه الطّائفة وصيقل صدائهم فكيف تكون باعثة على القبض والكدورة ولمّا وصل هذا الفقير في أوائل الحال إلى هذه القلعة صار

--> ( 1 ) - الآية : 53 من سورة يوسف .