أحمد الفاروقي السرهندي

223

المكتوبات ( الدرر المكنونات النفيسة )

كائنة في خارج موطن العلم وثابتة في مرتبة الحسّ والوهم وحيث حصل لها في تلك المرتبة باستحكام صنع اللّه جلّ شأنه ثبات واستقرار بحيث لا ترتفع بزوال الحسّ والوهم يمكن أن يقال : إنّ هذه الآثار والأحكام خارجيّة وأنتم كيف تتعجّبون من ترقّيات العدم فإنّ جميع معاملة الكائنات مبتنية على العدم ينبغي أن يشاهد كمال قدرة اللّه جلّ شأنه حيث وسّع دائرة المعاملة هذه كلّها من العدم وأظهر كمالات الوجود بنقائصه ووجه ترقّيه في كمال الوضوح فإنّ الصّور العلميّة للأسماء الإلهيّة جلّ سلطانه متمكّنة فيه وكائنة به ومن الصّور إلى الحقيقة والظّلال إلى الأصل طريق سلطانيّ ومن لم يحسّ ذلك فهو مطموس البصيرة إنّ هذه تذكرة فمن شاء اتّخذ إلى ربّه سبيلا . ولفظ الذّهن والخيال لا يوقعنّك في الاشتباه والاحتمال ولا يجعلنّ صدور الآثار والتّرقّيات عسيرا في نظركم فإنّه ما من معاملة الّا وهي في العلم والخيال ليست بخارجة منهما غاية ما في الباب أنّ بين خيال وخيال فرقا كثيرا فإنّ الخلق في مرتبة الوهم والخيال غير اختراع الوهم والخيال فإنّ الاوّل واقعيّ وكائن في نفس الامر ويمكن أن يقال : إنّه موجود خارجيّ والثاني قليل النّصيب من هذه الدولة وقليل الحظّ من الثبات والاستقرار وقد كتبت بعض خصائص العدم في معرفة على حدة وأخذ نقلها المير محبّ اللّه فإن أردتم الإطّلاع عليها ينبغي المراجعة إليها ( وسألتم ) أيضا عن الفناء والبقاء وقد كتب هذا الفقير معنى هاتين الكلمتين في مواضع كثيرة من كتبه ورسائله ومع ذلك لو بقي الخفاء فيه فعلاجه الحضور والمشافهة فإنّ تمام الحقيقة لا يحصل بالكتابة فإن حصل ربّما يكون إظهاره بعيدا عن المصلحة فإنّه لا يدرى ماذا يفهم منه الإنسان وماذا يدرك . الفناء والبقاء شهوديّان لا وجوديّان العبد لا يكون متلاشيا ومتّحدا بالحقّ تعالى . العبد عبد أبدا * * * * والرّبّ ربّ سرمدا زنادقة من يزعمون الفناء والبقاء وجوديّين ويظنّون " أنّ العبد يرفع عن نفسه تعيّنات وجوده ويتّحد مع أصله الذي منزّه عن التّعيّنات والقيودات ويصير مضمحلّا ومتلاشيا وباقيا بربّه كقطرة تكون فانية عن نفسه وتلحق بالبحر وترفع عن نفسه القيد وتتّحد بالمطلق " أعاذنا اللّه سبحانه من معتقداتهم السوء . وحقيقة الفناء عبارة عن نسيان ما سواه تعالى وعدم التّعلّق بغيره وتطهير ساحة الصّدر عن جميع مرادات النّفس ومقتضياتها الذي هو مناسب لمقام العبوديّة والمناسب لمقام البقاء هو قيام العبد بمرادات مولاه جلّ سلطانه وأن يجد مراداته سبحانه عين مرادات نفسه وذلك بعد شهود الآيات الأنفسيّة ( وسألتم ) أيضا أنّه قد أثبتّم سيرا فيما وراء الأنفس والسّير في المراتب العشرة لعالم الخلق وعالم الامر وسير الهيئة الوحدانيّة داخل في السّير الانفسيّ فما يكون السّير فيما وراء الأنفس ؟ ( اعلم ) أنّ الأنفس كالآفاق ظلال الأسماء الإلهيّة جلّ سلطانه فإذا نسي الظّلّ بفضل اللّه جلّ سلطانه نفسه وتوجّه إلى أصله وحصل له تمام محبّة الأصل فبحكم " المرء مع من أحبّ " يجد نفسه عين أصله ويصرف لفظ " أنا " الذي كان يطلقه على نفسه إليه وكذلك لهذا الأصل أصل أيضا فيتوجّه من هذا الأصل إلى ذاك الأصل بل يجد نفسه عين ذاك