أحمد الفاروقي السرهندي
220
المكتوبات ( الدرر المكنونات النفيسة )
جعلت أولياءك بحيث أنّ ما هو سبب تألّم الآخرين سبب لالتذاذهم وما هو زحمة على الآخرين رحمة لهؤلاء الأكابر ونقمة الآخرين نعمة لهم النّاس مسرورون في السّرور ومغمومون في الغمّ وهؤلاء الكبراء مسرورون في السّرور وفرحون في الغمّ فإنّ نظرهم مصروف عن خصوصيّات الافعال الجميلة والرّذيلة ومقصور على جمال فاعل تلك الأفعال الذي هو جميل مطلق وكانت الافعال عندهم أيضا محبوبة بحبّ الفاعل ومورّثة للالتذاذ . كلّ ما يصدر في العالم بمراد الفاعل الجميل جلّ سلطانه وإن كان من إيلامهم وإضرارهم فهو عين مرادهم المحبوب لهم وسبب التذاذهم إلهي ما هذا الفضل والكرامة حيث أعطيت مثل هذه الدولة الخفيّة والنّعمة الهنيئة لأوليائك مخفيا إيّاها من نظر الاغيار وأقمتهم بمرادك دائما محتظّين ومتلذّذين ورفعت عنهم الكراهة والتّألّم وجعلتها نصيب غيرهم وجعلت العار والفضيحة اللّذين من عيوب الآخرين جمال هذه الطّائفة العليّة وكمالهم وأودعت مرادهم في عين عدم حصول المراد وجعلت التذاذهم وسرورهم العاجلين سببا لزيادة حظوظهم الاخرويّة على عكس الآخرين ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ * « 1 » والثالث : أنّ هذه الدار دار ابتلاء والحقّ ممتزج فيها بالباطل والمحقّ مختلط بالمبطل فلو لم يعط الأولياء المحن والبلاء بل اعطيهما الأعداء لما يتميّز الأولياء من الأعداء ولتبطل حكمة الاختبار والامتحان وذلك مناف للإيمان بالغيب الذي السّعادة الدنيويّة والأخرويّة مودعة في ضمنه . قوله تعالى ( الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ) وقوله تعالى ( وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ) شاهد لهذا المعنى فجعل اللّه سبحانه أولياءه مبتلين بصورة البلاء والمحن ورمى في عيون الأعداء التّراب لتتمّ بذلك حكمة الابتلاء والامتحان وليكون أولياؤه متلذّذين في عين البلاء وليكون الأعداء مطموسو البصيرة خائبين وخاسرين غافلين عن هذا الابتلاء يضلّ به كثيرا ويهدي به كثيرا . وكانت معاملة الأنبياء مع الكفّار أن تكون الغلبة أحيانا في هذا الجانب وأحيانا في ذاك الجانب كانت النّصرة في البدر في جانب أهل الإسلام وكانت الغلبة في الأحد في جانب الكفّار قال اللّه تبارك وتعالى ( إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ ) والرّابع : أنّ الحقّ سبحانه وتعالى وإن كان قادرا على كلّ شيء ومقتدرا على إكرام أوليائه بالتّنعّم الدنيويّ والأخرويّ ولكنّ هذا المعنى مناف لحكمته وعادته سبحانه وتعالى وهو تعالى يحبّ أن يجعل قدرته مستورة تحت حكمته وعادته أن يجعل العلل والأسباب نقاب جناب قدسه فبحكم النّقاضة بين الدنيا والآخرة لا بدّ للأولياء من محن الدنيا وبليّتها حتّى تكون لهم تنعّمات الآخرة هنيئة مريئة وقد مرّ في
--> ( 1 ) الحديد : 21