أحمد الفاروقي السرهندي
17
المكتوبات ( الدرر المكنونات النفيسة )
السّير الآفاقيّ والأنفسيّ - وإن اعتقدوه تجلّيا ذاتيّا - كان متعلّقا بظلال الفعل والصّفة لا بنفس الفعل والصّفة فضلا عن كونه متعلّقا بالذّات فإنّ دائرة الظّلّيّة تنتهي بنهاية الأنفس فكلّ ما يظهر في الآفاق والأنفس يكون داخلا في تلك الدائرة والفعل والصّفة وإن كانا في الحقيقة من ظلال حضرة الذّات تعالت وتقدّست ولكنّهما داخلان في دائرة الأصل وولاية تلك المرتبة ولاية أصليّة بخلاف ولاية المرتبة السّابقة الّتي تتعلّق بالآفاق والأنفس فإنّها ولاية ظلّيّة والتّجلّي البرقيّ الذي ناش من مرتبة الأصل ميسّر لمنتهي دائرة الظّلّ فإنّهم يتخلّصون ساعة واحدة من قيد الآفاق والأنفس والذين جاوزوا دائرة الآفاق والأنفس وترقّوا عنها وخلفوا الظّلّ وراءهم ولحقوا بالأصل فالتّجلّي البرقيّ دائميّ في حقّهم فإنّ مسكن هؤلاء الأكابر ومأواهم دائرة الأصل الّتي منها ينشأ التّجلّي البرقيّ بل معاملة هؤلاء الأكابر فوق التّجلّيات والظّهورات فإنّ كلّ تجلّ وظهور بأيّ مرتبة يتعلّق لا يخلو عن شائبة الظّلّيّة وقد جعلهم التّعلّق بأصل الأصل فارغين عن الظّلّ وخلّصهم عن زيغ البصر ونهاية الكمال في الولاية الظّلّيّة الّتي هي الولاية الصّغرى إنّما تحصل بالتّجلّي البرقيّ وهذا التّجلّي البرقيّ قدم أوّل في الولاية الكبرى الّتي هي ولاية الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام . ( والولاية الصّغرى ) هي ولاية الأولياء - قدّس اللّه تعالى أسرارهم - ومن ههنا يعرف التّفاوت بين ولاية الأولياء وولاية الأنبياء - صلوات اللّه وتسليماته عليهم - فإنّ بداية تلك الولاية نهاية هذه الولاية وماذا نقول من كمالات نبوّة الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام فانّ بداية النّبوّة نهاية هذه الولاية ولعلّ حضرة الخواجة بهاء الدين النّقشبند « 1 » - قدّس اللّه سرّه - نال نصيبا وافرا من ولاية الأنبياء - عليهم الصّلوات والتّحيّات - بالتّبعيّة والوراثة فإنّه قال " نحن ندرج النّهاية في البداية " . ( ومبلغ علم هذا الفقير ) أنّ النّسبة النّقشبنديّة وحضورها إذا بلغا حدّ الكمال يتّصلان بالولاية الكبرى ويحصل لهم حظّ وافر من كمالات تلك الولاية بخلاف طرق غيرهم فإنّ نهاية كمالهم حصول التّجلّي البرقيّ . ( ينبغي أن يعلم ) أنّ السّير الذي يتيسّر بعد سير الآفاق والأنفس هو سير في أقربيّة الحقّ سبحانه وتعالى فإنّ فعله تعالى أيضا أقرب إلينا منّا وكذلك صفته تعالى أقرب إلينا منّا ومن فعله تعالى أيضا وذاته تعالى أقرب إلينا منّا ومن فعله وصفته تعالى والسّير في هذه المراتب هو السّير في الاقربيّة . ( وحقيقة تجلّي الفعل وتجلّي الصّفة وتجلّي الذّات ) « 2 » تتحقّق في هذا الموطن ويحصل النّجاة هنا من سلطنة الوهم ودائرة الخيال فإنّه لا سلطنة
--> ( 1 ) - بهاء الدين النقشبندي : محمد بن خواجة أحمد الظهوري الفاروقي العارف باللّه الشيخ بهاء الدين النقشبندي الصوفي ولد سنة 728 ه وتوفي سنة 791 ه من تصانيفه : الأوراد البهائية سلك الأنوار في التصوف هدية السالكين وتحفة الطالبين في التصوف . انظر ترجمته في : إسماعيل باشا البغدادي : هدية العارفين : 6 / 173 كحالة : معجم المؤلفين : 3 / 71 . ( 2 ) - التجلي الذاتي : هو تجلي الذات وحدها لذاتها وهي الحضرة الأحدية التي لا نعت فيها ولا رسم إذ الذات التي هي وجود الحق المحض وحدته عينه ؛ لأن ما سوى الوجود من حيث هو وجود ليس إلا العدم المطلق وهو اللا شئ المحض فلا يحتاج في أحديته إلى وحدة وتعين يمتاز به عن شئ ، إذ لا عين غيره فوحدته عين ذاته . الكاشاني : معجم اصطلاحات الصوفية : 173 .