أحمد الفاروقي السرهندي

136

المكتوبات ( الدرر المكنونات النفيسة )

الجمهور أو أصحابه الكرام عليهم الرّضوان أو سائر مجتهدي أمّته عليه الصّلاة والسّلام ولكنّ الاحكام الإجتهاديّة في زمنه عليه الصّلاة والسّلام لم تكن متردّدة بين الخطأ والصّواب لكونه أوان الوحي بل كان يتميّز صواب الحقّ من خطأ المخطئ بالوحي القطعيّ ولم يبق الحقّ ممتزجا بالباطل فإنّ تقرير النّبيّ وتثبيته على الباطل غير مجوّز بخلاف الاحكام الحاصلة بطريق استنباط المجتهدين بعد انقراض زمان الوحي فإنّها متردّدة بين الخطأ والصّواب ولهذا كان الاحكام الإجتهاديّة الّتي صارت مقرّرة في زمن الوحي موجبة لليقين المفيد للعمل والاعتقاد وبعد زمان الوحي تكون موجبة للظّنّ المفيد للعمل لا الإعتقاد والقسم الثالث من احكام القرآن ممّا يعجز عن فهمه الطّاقة البشريّة وما لم يحصل الإعلام من جانب منزّل الاحكام جلّ سلطانه لا يتصوّر فهم تلك الأحكام وحصول ذلك الإعلام مخصوص بالنّبيّ عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام لا يحصل لغيره وهذه الأحكام وإن كانت مأخوذة من الكتاب ولكن لمّا كان مظهرها نبيّنا عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام نسبت هذه الأحكام إلى السّنّة بالضّرورة كما نسبت الاحكام الإجتهاديّة إلى القياس باعتبار أنّ القياس مظهر تلك الأحكام فيكون كلّ من السّنّة والقياس مظهرا للأحكام وإن كان من بين هذين المظهرين فرقا كثيرا حيث أنّ أحدهما مستند إلى الرّأي الذي فيه مجال الخطأ والثاني مؤيّد بإعلام الحقّ جلّ وعلا الذي لا مجال فيه للخطأ وفي القسم الأخير كمال الشّباهة بالأصل وكأنّه مثبت للأحكام وإن كان مثبت جميع الأحكام في الحقيقة هو الكتاب العزيز فحسب ( ينبغي أن يعلم ) أنّ لغير النّبيّ مجال الخلاف للنّبيّ عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام في الاحكام الإجتهاديّة إن بلغ هذا الغير مرتبة الإجتهاد والأحكام الّتي ثبتت بعبارة النّصّ وإشارة النّصّ ودلالة النّصّ وكذلك الاحكام الّتي مظهرها السّنّة لا مجال لمخالفة أحد فيها بل اتّباع تلك الأحكام لازم لجميع الامّة فمتابعة رأى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم في الاحكام الإجتهاديّة ليست بلازمة لمجتهدى الامّة بل الصّواب في ذلك الموطن هو متابعة رأى نفسه . وههنا دقيقة ينبغي أن يعلم أنّ الأنبياء الذين يتّبعون شرائع الأنبياء أولى العزم عليهم الصّلاة والسّلام الواجب عليهم هو اتّباع الاحكام الّتي ثبتت بالعبارة والإشارة والدلالة من كتبهم وصحفهم لا اتّباع الاحكام الّتي ظهرت باجتهادهم وسننهم فإنّه إذا لم يلزم المتابعة على مجتهدي الامّة في الاحكام الإجتهاديّة كما مرّ كيف يلزم المتابعة على النّبيّ المتابع والأحكام الّتي مظهرها سنّة كما أنّها حاصلة لاولى العزم بالإعلام كذلك هي ثابتة لنبىّ غير أولي العزم أيضا بإعلامه تعالى فما يكون المتابعة بل لا مجال للمتابعة فإنّ على مقدار كلّ وقت ومناسبة كلّ طائفة أحكاما على حدة تارة يناسب الحلّ وتارة يناسب الحرمة كان الإعلام لنبىّ من أولى العزم بحلّيّة أمر ولنبىّ آخر من غير أولي العزم بحرمته وكلّ من هذا الحلّ والحرمة مأخوذ من صحف منزّلة كما أنّ المجتهدين يأخذان من مأخذ واحد حكمين مختلفين يفهم منه أحدهما الحلّ والآخر الحرمة . ( فإن قيل ) هذا الاختلاف له مجال في الإجتهاد لكون مداره على