أحمد الفاروقي السرهندي

105

المكتوبات ( الدرر المكنونات النفيسة )

الوجه الاتمّ بمقياس القوّة البشريّة تيسّرت المقامات العشرة وبهذا السّير المحبوبيّ - كما حصل السّير الآفاقيّ - تمّ به السّير الانفسيّ أيضا ؛ فإنّه قال المخبر الصّادق عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام " المرء مع من أحبّ " وحيث كان المحبوب وراء الآفاق والأنفس ينبغي للمحبّ أيضا أن يتجاوز الآفاق والأنفس بحكم المعيّة فيخلّف السّير الانفسيّ أيضا وراءه بالضّرورة ويحصّل دولة المعيّة فهؤلاء الأكابر لا شغل لهم بالآفاق ولا بالأنفس ببركة دولة المحبّة بل الآفاق والأنفس تابعة لامرهم والسّلوك والجذبة متطفّلان بمعاملاتهم ورأس بضاعة هؤلاء الأكابر المحبّة الّتي إطاعة المحبوب لازمة لها وإطاعة المحبوب مربوطة بإتيان الشّريعة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة الّتي هي الدين المرضيّ للّه تعالى فعلامة كمال المحبّة كمال إتيان الشّريعة وإتيان الشّريعة بكمالها منوط بالعلم والعمل والإخلاص والإخلاص الذي يتصوّر في جميع الأقوال والأعمال وجميع الحركات والسّكنات هو نصيب المخلصين بفتح اللّام والمخلصين المكسوري اللّام ماذا يدركون من هذا المعمّى لعلّك سمعت والمخلصون على خطر عظيم ( ولنرجع ) إلى أصل الكلام فنقول : إنّ المقصود من السّلوك والجذبة والتّصفية تطهير النّفس من الاخلاق الرّديّة والأوصاف الرّذيلة ورأس جميع تلك الذّمائم التّعلّق بالنّفس وتحصيل مراداتها وهواها فح لا يكون بدّ من السّير الانفسيّ ولا مندوحة من الإنتقال من الصّفات الذّميمة إلى الاخلاق الحميدة والسّير الآفاقيّ خارج عن المقصود ولا تعلّق به لغرض معتدّ به فإنّ العلائق الآفاقيّة بواسطة العلائق الانفسيّة فإنّ كلّ ما يحبّه الإنسان إنّما يحبّه لحبّ نفسه فإذا أحبّ الأولاد والأموال إنّما يحبّ لأجل استمتاعه وانتفاعه فإذا زالت في السّير الانفسيّ محبّته لنفسه بواسطة استيلاء محبّة الحقّ جلّ وعلا زالت في ضمنه محبّته لأولاده وأمواله أيضا ؛ فكان السّير الانفسيّ ضروريّا ويتيسّر السّير الآفاقيّ بالتّطفّل في ضمنه ولهذا كان سير الأنبياء عليهم الصّلوات والتّحيّات مقصورا على السّير الانفسيّ وقطع السّير الآفاقيّ في ضمنه طفيليّا نعم السّير الآفاقيّ أيضا حسن لو وجدت الفرصة لقطعة وتيسّر إتمامه من غير تخلّل التّوقّفات فلو لم توجد الفرصة لقطعة ووقع الابتلاء بالتّوقّفات يكاد يعدّ السّير الآفاقيّ داخلا فيما لا يعني ويحسب من موانع حصول المطلوب والسّير الانفسيّ كلّما يقطع فهو مغتنم فإنّه انتقال من السّيّئة إلى الحسنة يا لها من نعمة عظيمة لو أتمّ السّالك بهذا السّير وتبختر في خارج دائرة الأنفس ولايّ شيء يلزم أن يشاهد شخص تلوينات « 1 » الأنفس في مرآة الآفاق وأن يعاين تغيّراته فيها كما يعلم صفاء قلبه مثلا في مرآة المثال ويرى ذلك الصّفاء بصورة النّور الأحمر فلم لا يستعمل وجدانه ؟ ولم لا يحيل صفاءه على فراسته ؟ ما حاجة من بلغ اثنتي عشرة سنة إلى الطّبيب مثل مشهور فإنّه يمكن أن يدرك تلوينات أحواله بوجدانه الصّحيح وأن يعلم بتفرّسه الصّريح صحّته وسقمه نعم إنّ السّير الآفاقيّ فيه علوم ومعارف وتجلّيات وظهورات كثيرة

--> ( 1 ) التلوين : هو تنقل العبد في أحواله . وقيل : هو الإحتجاب عن أحكام حال أو مقام سنى بآثار حال أو مقام دنى وعدمه على التعاقب . انظر : ابن عربي : اصطلاحات الصوفية : 291 . الكاشاني : معجم اصطلاحات الصوفية : 174 .