أحمد بن ابراهيم النقشبندي

93

شرح الحكم الغوثية

--> الهي لقوله صلى اللّه عليه وسلم : ( حبب ) فلم ينسب حبه فيهن إلا إلى اللّه تعالى ، فتدبر هذا الفضل ترى عجبا . وأما المريدون الذين هم تحت حكم الشيوخ فهم بحكم أشياخهم فيهم ، فإن كانوا شيوخا حقيقة فهم أنصح الناس لعباد اللّه ، وإن لم يكونوا فعليهم وعلى أتباعهم الحرج من اللّه ؛ لأن اللّه قد وضع الميزان المشروع في العالم لتوزن به أفعال العباد ، والأشياخ يسألون ولا يقتدي بأفعالهم إلا أن يأمروا بذلك في أفعال معيشة قال تعالى : فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ [ النحل : 43 ] ، وهم : « أهل القرآن أهل اللّه وخاصته » . وأهل القرآن هم الذين يعملون به وهو الميزان الذي قلنا ، ولا ينبغي أن يقتدي بفعل أحد دون رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فإن أحوال الناس تختلف ، فقد يكون عين ما يصلح به الواحد يفسد به الأخر إن عمل به . والعلماء الذين يخشون اللّه تعالى أطباء دين اللّه ، المزيلون علله وأمراضه العارفون بالأدوية ، فإذا كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قد اختلف الناس في أفعاله هل هي على الوجوب أو لا ؟ فكيف بغيره ؟ ! مع قول اللّه تعالى : لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [ الأحزاب : 21 ] وقوله : فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [ آل عمران : 31 ] ، وهذا كله ليس بنص منه في وجوب الاتباع في أفعاله ؛ فإنه صلى اللّه عليه وسلم اختص بأشياء لا يجوز لنا ابتاعه فيها ، ولو أتته نيابة فيها كنا عاصين مأثومين ، فينبغي لكل مؤمن ويجب على كل مدع في طريق اللّه ، إذا لم يكن من أهل الكشف والوجود والخطاب الإلهي ، ومن لا يكون يطفأ نور معرفته نور ورعه أن يجتنب كل أمر يؤدي إلى تعلق القلب بغير اللّه تعالى فإنه فتنة في حقه ؛ فيجب عليه أن يغلّب عقله على شهوته ، ويسعى في قطع المألوفات وترك المستحسنات الطبيعية وما يميل الطبع البشري إليه ، ويجتنب مواضع التهم وصحبة المبتدعين في الدين ، ما لم يأذن له اللّه وهم الأحداث ، وكذلك الصباح الوجوه من المردان ومجالسة النساء وأخذ الإرفاق ؛ فإن القلوب تميل إلى كل من أحسن إليها والطبع يطلبهم ، والقوة الإلهية على دفع الشهوات ما هي هناك ، والمعرفة معدومة من هذا الصنف من الناس ، وما صبر تحت الاختبار الإلهي إلا الذهب الخالص المعدني ، الذي حاز زينة الكمال ، وما بقي فيه من تربة المعدن شيء ، وكل تكليف فتنة ، وجميع المخلوقات فتنة ، والاطلاع على نتائج الأعمال فتنة وهي حالة مقام يستصحب إلى الجنة ، وكان صلى اللّه عليه وسلم وهو صاحب الكشف الأتم والعالم بما ثمّ يستعيذ من فتنة القبر وعذاب النار ومن فتنة المحيا والممات .