أحمد بن ابراهيم النقشبندي
79
شرح الحكم الغوثية
--> وكان الإمام الأعظم الليث بن سعد رضي الله عنه : لو كتب ما في صدري ما وسعه مركب . فلينظر من يدّعي العلم في هذا الزمان مرتبته في العلم بالنسبة لهؤلاء العلماء ، يعرف تخلفه وجهله يقينا . وسمعت سيدي عليّا الخواص رحمه اللّه يقول : من أراد أن يعرف مرتبته في العلم فليرد كل قول علمه إلى قائله ، وينظر في نفسه ، فما بقي معه بعد ذلك فهو علمه الذي يبعث عليه يوم القيامة ، وما عدا ذلك فله من ثواب حمله لا غيره . وسمعته يقول مرات : لا يبلغ الرجل مقام الكمال إلا إن صارت مذاهب جميع المجتهدين نصب عينه . ومن دسائسها أن تحسن لصاحبها الاندراج في سلك أهل الطريق ، وترغبه في الدخول في زمرة هذا الفريق ، وتعرفه أن الإنسان بدون شيخ كامل لا يخلص من الرياء والعجب فيما يعامل ، وتقرأ عليه بعض عبارات العارفين في طلب الرشد وما أشار إليه مقدام العارفين الإمام الشعراني والهمام الربّاني في أوائل المنن ، وتحرضه على المبادرة في طلب المرشد في السر والعلن . وعبارة سيدي عبد الوهاب : فإن أردت يا أخي التخلّق بشيء من أخلاق هذا الكتاب فاطلب لك شيخا صادقا ، لا تشك في صدقه ؛ ليسلك بك في مقامات الطريق ؛ لتعرفها بالذوق لا بالسماع ، حتى تصير توحد اللّه في سير المراتب كشفا ويقينا ، كما أنك بمجرد قولك أن الفعل للّه يذهب منك الرياء والعجب بأعمالك ، وتعبد اللّه خالصا ، لا خوفا من ناره ، ولا رجاء لثوابه ، فحكم من شهد الفعل للّه كشفا حكم من بات نائما وجاره قائما يصلي إلى الصباح ؛ فإنه لا يصبح يدّعي قيام الليل الذي قامه جاره أبدا . وقد كنت أنا على هذا الحال زمانا طويلا إلى أن اجتمعت بسيدي عليّ الخوّاص رحمه اللّه ، فكشف لي عن بعض معالم الطريق ، فعلمت أن جميع ما كنت أظنه من مقامات الخواص إنما هو من مقامات المريدين ، وأن مقامات العارفين تجلّ عن أن يذوقها أمثالنا ، كما أن أخلاق الأنبياء تجلّ عن أن يذوقها أكابر الأولياء ؛ فإن بداية درجة النبوة تأخذ من بعض انتهاء درجات الولاية ، فليس للائذون من تخلقه بمثل صفات الأعلى سوى الاسم فقط . فإذا رغب في سلوك الطريقة العليا ووجه الهمة في طلب المرشد ليكون متّبعا له أمرا ونهيا فساقه اللّه إليه ودلّ عليه ، ثم أنه دخل تحت عهده وميثاقه المحكم ، وقيل : كل ما شرط عليه وبه لنفسه ألزم تنزل له الداعي حتى تملك ، ثم تحكم ، وصار يحمله الميثاق بدون إشفاق