أحمد بن ابراهيم النقشبندي

77

شرح الحكم الغوثية

--> مقتضاها ، والمبادرة لجامع مشتهاها ، ولقد أخبرني الكاشف عن وجوه الغرائب والراشف من شراب العجائب أنه يرى الفاعل ، فينطق به مفعولا ، فيقول الجهول : لبس لهذا إدراكا ومعقولا ، ومع ذلك فما جهل ولا أخطأ ما تعطيه الحقيقة ، ولكنه المحجوب يخطئه ؛ لعدم شهوده الأوجه الرقيقة ولو رام غير ما تعطيه الحقائق لم يمكنه ؛ لأن دواعي الحق لا تعطي في القرآن والحديث الحسن أو المشهور أو الصحيح إلا المعنى الرفيع والمبنى الرجيح ، لم ينطق المكاشف بهما إلا على قدر قواعد الإعراب ، إلا إن قصد التنبّه على سرّ غريب يأبى الإعراب ، فحقّق هذا المبحث ؛ فإنه جدير بأنه عليه يبحث ، وسلّم للأكابر ولا تكابر ، ومع هذا فلغة العرب واسعة الأكناف منثرة الأطراف ، وما ضبط منها تنوير يسير ، والكثير خفي وخبي ، إذا لغة لم يحط بها إلا نبيّ ؛ فسلّم تسلم ، واتخذ للعروج سلما ، واتل : وَما أُوتِيتُمْ [ الإسراء : 85 ] ، وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً [ طه : 114 ] ، ثم إن المشايخ رضي اللّه عنهم يشغلونه بتهذيب الأخلاق ، وفتح ما على القلب من الأغلاق ، وأمّ الذكر ومراقبة الملك الخلاق والتخلية والتحلية ؛ ليفوز من وثاقه بوصف الإطلاق ، ويأمرونه بالأخذ بالعزائم دون تتبع الرخص ، وبالهرب إلى مواطن الإجماع ، أو ما عليه الأكثر ، وإذا استويا فكل ما ذهبت إليه أهل الحديث ، حتى يتم إشراقه ، وتتحلى بأفخر الحلي أطواقه ، وتطمئن نفسه ، وتخشع ، وتذل معرفتها بجهلها ، وتخضع ، وتعرف من أين جاءت ، وإلى أين تصير ، فتخاف ، وتجزع ، وتفيق من سكرتها عمّا إليه تصير ، وبذا أكبادها تتقطّع ، وتعاين رشحة طلّ من رشحات بحور العلوم الزواخر ، فترى أن كل ما بأيدي الناس من الأوائل والأواخر رشحة من تلك الرشحة ونفحة من تلك النفحة ، وهناك تنقطع منها شروش الكبر والإعجاب ، ويطيش عن صاحبها الفكر والعقل ، ويذهله ذلك الكشف العجاب ، فلو قرأ جميع العلوم وأحاط بسائر الفهوم لم يزده ذلك إلا خضوعا ، ولم يكسبه ذلك الاطّلاع إلا خشوعا ، فإذا عاين الأستاذ من مريضه هذا الحال أذن له في القراءة والإقرار ، وحذّره غوائل النفس ، وألزمه بخلافها في الإقامة والترحال ، ألا ترى لمن تجلى اللّه سبحانه وتعالى عليه بصفة العلم كالإنسان الكامل ، حتى علم ما كان وما سيكون وما لا يكون ، كيف كان لو يكون ؛ لأن العلم صفة إحاطية لا نهاية لها ؛ لأن كل نهاية داخلة تحت حيطته ، ومع هذا فلا يرى لنفسه علما ولا يشهد لها إدراكا وفهما ، بل يتحقق أن ما علّمه ربه وأن ما عنده وديعة مستردة عند أهل الحقيقة ، وإذا كان صاحب هذا الحال غير مقبول الدعوى في العلم فغيره بالأولى عند من استسلم وجنح للسلم ، وإذا تحققت النفس في سرّ قوله تعالى : وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [ الإسراء : 85 ] ، وقوله : الرَّحْمنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ [ الرحمن : 1 ، 2 ] وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ [ النساء : 113 ] ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [ النور : 19 ] هدأت