أحمد بن ابراهيم النقشبندي

64

شرح الحكم الغوثية

وقال أيضا : تسبق أنوار الحكماء أقوالهم ، فحيثما صار التنوير وصل التعبير « 1 » .

--> وقالوا أيضا : الكلام إذا خرج من القلب وقع في القلب ، وإذا خرج من اللسان حده الآذان ، وإنهاض الحال أكثر من المقال ، وإذا اجتمع الحال والمقال فهو البحر الطّام ، والنجم الثاقب التام . وقال بعض العارفين : من كان قبله روحانيّا كان كلامه معنويّا ينزل من القلوب في أوسع ساحاتها ، ومن كان قلبه نفيسا كان كلامه حسيّا ، يعني لا يتكلم إلا في الحس ، ولا يخوض إلا فيه ، ومن طمس أذن قلبه حجب الدنيا ، فلا يسمع ولا يسمع ، وقد يكون من الناس من هو عالم اللسان جاهل القلب ، وعلامته ترجيح حديث الدنيا على حديث الآخرة ، أو حديث الحس على حديث المعنى ، ومن مثل هذا الحذر الحذر ، لأن قلبه ميت ، فكلامه كله على الميتة ، والميتة هي الجيفة قال صلى اللّه عليه وسلم : « الدنيا جيفة وطلابها كلاب » ، فمن تكلم على الدنيا ، فمثله كالكلب ، ولا خير في كلب ، ولو كان عالما ، قاله الشطيي ، ثم إن هذه الكسوة التي تبرز على الكلام إنما هي من نتائج الإذن من اللّه فيه ، وأما إذا لم يكن إذن فيه فلا كسوة عليه . ( 1 ) قال سيدي ابن عجيبة : الحكماء هم العارفون باللّه الذين يتكلمون باللّه ، ويصمتون باللّه ، غائبون عن أنفسهم يشهدون ما من اللّه إلى اللّه ، فإذا أرادوا أن يعبروا عما منحهم مولاهم من العلوم والمعارف سبق نور شهودهم إلى القلوب المستمعة ، فتسرى فيهم على قدر صدقهم ، فمنهم من يدخل النور سويداء قلبه ، ومنهم من يقف النور على ظاهر قلبه ، ومنهم من يشرق النور على طرف قلبه ، فإذا عبر العارف عن المقامات والأحوال وصل التعبير على قدر سريان النور ، فمن وصل النور إلى سويداء قلبه نهض من ساعته إلى ربه ، ومن وصل إلى ظاهر قلبه خشع وخضع وعزم على البر والتقوى ، ومن وصل إلى طرف قلبه عرف الحق وصدق ، فحيثما صار التنوير وصل التعبير ، وقولنا في تفسير الحكماء هم العارفون مأخذنا فيه ، وقوله عليه السلام : « رأس الحكمة مخافة اللّه » انتهى . وأعرف الناس باللّه أشدهم له خشية ، وفيهم قال اللّه تعالى : إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ [ فاطر : 28 ] ، وسئل مالك عن الحكمة ؟ فقال : ما زهد عبد واتقى إلا أنطقه اللّه بالحكمة ، ثم قال : من أراد أن يفتح اللّه عين قلبه فليكن عمله في السر أكثر من عمله في العلانية ، لأن عمل السر منبع الإخلاص ، والإخلاص منبع الحكمة ، وسئل مرة أخرى عن الحكمة أيضا ؟ فقال : نور يقذفه اللّه في قلب العبد المؤمن من فسحة الملك انتهى .