أحمد بن ابراهيم النقشبندي
61
شرح الحكم الغوثية
فإن لم يكن يراه فيعلم أن اللّه يراه في سائر الأحيان ، مقام من لحمه ودمه معنى قوله تعالى : وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ [ البقرة : 235 ] . واشتعلت فتيلة سراج قلبه بنار معنى قوله تعالى : أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى [ العلق : 14 ] . فصارت الخلوة والجلوة بالنسبة إليه سواء ، فلم يشهد بظاهره وباطنه إلّا مولاه ، ولم يتوجه في قضاء حوائجه إلّا إلى اللّه ، ينشد لسان حاله في غدوه وآصاله : يا من يرى ما في الضّمير ويسمع * أنت المعدّ لكلّ ما يتوقع
--> وقال الشاذلي رضي الله عنه : إذ أردت أن يكون لك نصيب مما لأولياء اللّه تعالى فعليك برفض الناس جملة إلى من يدلك على اللّه بإشارة صادقة أو بأعمال ثابتة لا ينقضها كتاب ولا سنة وأعرض عن الدنيا بالكلية ولا تكن مما يعرض عنها ليعطى شيئا على ذلك بل كن في ذلك عبدا للّه أمرك أن ترفض عدوه ، فإن أتيت بهاتين الخصلتين الإعراض عن الدنيا والزهد في الناس فأقم مع اللّه بالمراقبة والتزم التوبة بالرعاية والاستغفار بالإنابة والخضوع للأحكام بالاستقامة ، وتفسير هذه الأربعة أن تقوم عبدا للّه فيما تأتي وتذر فتراقب قلبك ألا يرى في المملكة شيئا لغيره ، فإن أبيت بها نادتك هواتف الحق بأنوار العز إنك قد عميت عن طريق الرشد من أين لك القيام مع اللّه بالمراقبة وأنت تسمع : وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً [ الأحزاب : 53 ] فهنالك يدركك من الحياء ما يحملك على التوبة مما ظننت به أنه قربة فتلزم بالتوبة والرعاية لقلبك أن لا تشهد ذلك منك بحال فتعود إلى ما خرجت عنه وإن صحت هذه منك نادتك الهواتف أيضا من قبل الحق أليست التوبة منه بدء والإنابة تتبعها منه واشتغالك بما هو وصف لك حجاب عن مرادك فهنالك تنظر أوصافك ، فتستعيذ باللّه منها وتأخذ في الاستغفار والإنابة والاستغفار طلب الستر من أوصافك بالرجوع إلى أوصافه ، فإن كنت بهذه الصفة أعني الاستغفار والإنابة ناداك من قريب اخضع لأحكامي ودع عنك منازعتي واستقم مع إرادتي برفض إرادتك ، وإنما هي ربوبية تولت عبودية فكن عبدا مملوكا لا تقدر على شئ فمتى رأيت منك قدرة وكلتك إليها وأنا بكل شئ عليم ، وإن صح لك هذا الباب ولزمته أشرفت من هناك على أسرار لا تكاد تسمع من أحد من العالمين .