أحمد بن ابراهيم النقشبندي

56

شرح الحكم الغوثية

الثالث : التوكّل ؛ وهو الاكتفاء بعلم اللّه تعالى فيك عن تعلّق القلب بسواه . فإذا علمت أن اللّه تعالى عالم بحالك ، قادر على كفايتك ، أرحم بك من أبيك وأمك ، بل ومنك عليك الجمع قلبك عليك ، ولم تتوجه بقلبك إلّا عليه ، ولم تنطرح إلّا بين يديه ؛ وهو أعظم ما يحتاج إليه السالك في سلوكه ، واحتياجه إليه أشدّ من احتياج الظمآن إلى الماء « 1 » .

--> ( 1 ) لطيفة قال سيدي إسماعيل حقي في معنى قوله سبحانه وتعالى : وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [ الطلاق : 3 ] صدق اللّه العظيم . هذه الآية الشريفة جامعة لأنواع التوكّل ، وأضاف الحاجات ؛ فإن اسم اللّه تعالى جامع لمراتب الأسماء التي لا يتجاوزها حاجات الناس مع اختلاف مراتبهم ، وتفاوت طبقاتهم ، فمن ذكر كان أو أنثى ، عبدا كان أو سيدا يتوكّل على اللّه الرزّاق في أمر الرزق ؛ فهو حسبه فيه . ومعنى التوكّل : أن يجعل اللّه تعالى وكيلا له ، كما قال تعالى : فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا [ المزمل : 9 ] . ولذا قالوا : التوكّل كله الأمر كله إلى اللّه تعالى ؛ وكذا من يتوكّل على اللّه الشافي في باب الشفاء عن أمراضه الجسمانية والروحانية ؛ فهو حسبه فيه ، وكذا من يتوكّل على اللّه الجامع في خصوص الجمع لما تشتّت منه ، وتفرّق ؛ فهو حسبه ، وكذا من يتوكّل على اللّه الغني في مغني الغني ، ودفع الافتقار بكل وجه من الوجوه غير الافتقار الذاتي ، فإنه لا يرتفع أبدا ؛ فهو حسبه فيه ، ومن يتوكّل على اللّه العزيز في دفع ذلّة الذي هد يعطر ذلّ اليهود ؛ فهو حسبه فيه . ومن يتوكّل على اللّه المكرم في إزالة إهانته الموجبة لهوانه بين الناس المقتضية للاستيحاش عند الاستنباش ؛ فهو حسبه ، ومن يتوكّل على اللّه القوي ؛ لرفع ضعفه الحاصل له من مرضه أو من غيره إلا الضعف الخلقي الذي أشار إليه قوله تعالى : وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً [ النساء : 28 ] ؛ فهو حسبه فيه ، ومن يتوكّل على اللّه المعين القادر في رفع عجزه وسلبه ، وجلب إعانة له في حصول مطالبه ؛ فهو حسبه . ومن يتوكّل على اللّه المقسط في دفع وجوده ، الموجب لحوره بعد كوره ؛ فهو حسبه فيه ، ومن يتوكّل على اللّه القاهر في قهر أعدائه الظاهرة والباطنة ، وانتقامه منهم في سرّه وعلانيته ؛ فهو حسبه فيه ، ومن يتوكّل على اللّه الولي النصير في تولّي أموره ، ونصرته على الجند المخالف له أي جند كان ؛ فهو حسبه ، ومن يتوكّل على اللّه النافع الضار في إيصال النفع ، وإبعاد الضر ؛ فهو حسبه فيه . ومن يتوكّل على اللّه النور في تنوير ظاهره بأنوار السراج ، وباطنه بأنوار سرّ المعراج ؛ فهو حسبه