أحمد بن ابراهيم النقشبندي

51

شرح الحكم الغوثية

فإن السالك مسافر إلى مولاه ، ومتى كان معه أكثر مما يحتاجه في سفره ؛ كان ذلك معوّقا له عن السير ، فإن حضرة الحق محرّمة على من يدخلها ، ومن خلفه شيء يجذبه . كما قال في الحكم العطائية : كيف يشرق قلب صور الأكوان منطبعة في

--> إلا الذات بدون اعتبار الأسماء والصفات وهذا هو الطي الحقيقي ، ومن هنا يقال : المسافة إلى خطوتين ، وإليه يشير قوله عليه صلى اللّه عليه وسلم : « الدنيا خطوة مؤمن » أي : يتخطاها بالزهد فافهم . وقال بشر الحافي رضي الله عنه : « من دخل في طريقنا يومين فقد حاز ملك الدارين » . فيدلّ هذا على أن المسافة يومان في اليوم الأول يترك الدّنيا ، وفي الثاني يترك الآخرة ، وفي اليوم الثالث واصل ؛ لأنه يكون لربّه حقا بلا علل ، وأمّا طي الأيام بلا طعام وشراب ، وقطع الأرض في أقرب مدة بلا مشي ، وتعب فهو رسمي لا اعتداد به . وقال بعض : ليس الشأن أن تطوى لك الأرض فإذا أنت حيث مشيت من البلاد ، بل الشأن أن تطوى عنك أوصاف نفسك فإذا أنت عند ربك ، وقال بعض : من مكنه اللّه على مخالفة هواه فهو أعظم من المشي على الماء والهواء ، ويناسبه قول بعض : لا تتعجبوا ممن لم يكن في جيبه شيء فيخرج منه ما يريد ، ولكن تعجبوا ممن يضع في شيء فلم يتغير بفقدانه عند إدخال يده في جيبه ، وعند هذه الطائفة كل ما يشغلك عن مولاك فهو ديناك تحجب به عن الحق تعالى ، ولذا نفي الشيخ قدّس سرّه اسم الزاهد الأعلى من زهد فيما سواه تعالى ، وهو الغاية العظمى والمطلب الأقصى ؛ إذ فيه غاية الرّضا . ولا يصل إلى غاية رضاء الحق تعالى وكماله الذي في قلبه شيء صفته سوى الحق تعالى من كل ما يمنعك عنه تعالى ؛ لأنه تعالى وهبك نعمة الوجود وما وضع فيك إلا قلبا واحدا : ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ [ الأحزاب : 4 ] ، وذلك حتى تكون من الغير معرضا ، وعليه مقبلا ، وفي محبته خالصا صادقا ؛ لأن القلب الواحد يكفيه محبّا واحدا ، ولا ينبغي أن تجعل القلب الواحد مائة جزء ، وترسل كلّ جزء منها لطلب مقصد ، والتفرقة ليست إلا هذا ، أو الجمعية أن يشتغل الواحد بالواحد ويعرض عن الكل ، وظن بعض أن جمعية القلب في جميع الأسباب فبقوا في التفرقة أبد الآباد ، وكل من كان في التفرقة والوسواس فهو عند أهل الجمع من أشر الناس ، بل ليس بناس إنما هو نسناس ، فالسالك يجب عليه أن يخرج من التفرقة ، ولا يسلك إلا طريق الوصول إلى ربّ الأرباب .