أحمد بن ابراهيم النقشبندي
47
شرح الحكم الغوثية
أنت حاضر في الحضرة * ليت شعري هل تدري إنّ محبوبك حاضر * ما لجرحك لا يبرأ والحق سبحانه وتعالى ليس بغائب ؛ وإنما الغائب أنت عنه ؛ لاشتغالك بسواه ، فاحضر قلبك تكن كأنك تراه ؛ وهذا هو مقام الإحسان كما قال صلى اللّه عليه وسلم : « الإحسان أن تعبد اللّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك » « 1 » . هاهنا نكتة ذوقية في قوله صلى اللّه عليه وسلم : ( فإن لم تكن ) : أي فإن فنيت تراه ، إن تحققت بمقام الفناء ؛ نلت مقام الشهود ؛ وهي الرؤية القلبية التي تصير في الآخرة بصرية ، وأصل ذلك كله وسبب تحقّقه التحلّي بالتوحيد ، ومعرفة أن الأشياء كلها صادرة منه تعالى ، ومستمدة من فضله ، كما قال تعالى : وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ [ النور : 21 ] . وقال في الحكم العطائية : « لو كنت لا تصل إليه إلا بعد فناء مساويك ، ومحو دعاويك لم تصل إليه أبدا ، ولكن إذا أراد أن يوصلك إليه ستر وصفك بوصفه
--> ( 1 ) رواه البخاري ( 1 / 27 ) ، ومسلم ( 1 / 39 ) ، وأبو داود ( 4 / 223 ) ، والترمذي ( 5 / 6 ) . فعلّق صلى اللّه عليه وسلم الرؤية بعدم الكون الذي هو عبارة عن العدم والفناء ، وإن لم يساعد المعنى بحسب القواعد العربية ما بعده . لأن ( لم تكن ) فعل شرط ، و ( تراه ) خبر تكن . وقوله : ( فإنه يراك ) جزاء الشرط لا إن لم تكن فعل الشرط ، . وتراه جزائه ، ولا يكون التعليق المذكور صحيحا إلا بهذا التقدير ، لكن أهل الإشارة يشيرون في الأحاديث والآيات إلى معنى لا يساعد عليه تمامها كما هنا ، وكما في قوله تعالى : إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ [ القمر : 49 ] على قراءة الرفع بمعنى نحن كل شيء ، وكل شيء صورة تجلياتنا وظهوراتنا ، والصورة عين ذي الصورة بوجه ، وإن كانت غيره بوجه ، وقوله : ( خلقناه بقدر ) لا يساعد على هذا المعنى ، فلا يعرف مرادهم إلا من يعرف بالإشارة ، ولا يحتاج إلى العبارة ، وقال اللّه في الحديث القدسي : « تجوع تراني ، تجرد تصل » أي : إلي والجوع موت اختياري وإرادي وهو المشار إليه بحديث : « موتوا قبل أن تموتوا » ولهم موتات أخرى غير الجوع من الصبر على الشدائد ، ومخالفة النفس والقناعة كل منها يفيد الآخر . وانظر : شرح الحكم الأكبرية للشيخ حسن الكردي الباني ( ص 281 ) بتحقيقنا .