أحمد بن ابراهيم النقشبندي
44
شرح الحكم الغوثية
1 - القرآن نزل وتنزّل ، فالنزول قد مضى ، والتنزّل باق إلي يوم القيامة . أي القرآن نزل على قلب سيّدنا محمد صلى اللّه عليه وسلم بلسان جبريل عليه السلام ، وتنزّل على قلوب أوليائه بما يلهمهم إياه في أوقات صفاء قلوبهم ، ويغمضهم إذا خلوا لمحبوبهم كما أشار إلى ذلك صلى اللّه عليه وسلم في قوله : « استفت قلبك وإن أفتاك المفتون » « 1 » . وقال أحد العارفين : أفتاني قلبي عن ربي . وقال أبو يزيد رضي الله عنه : أخذنا علمنا عن الحيّ الذي لا يموت ، فقيل له : هل لك من شاهد على ذلك في الكتاب والسنة ؟ فقال : شاهدي من الكتاب قوله تعالى : وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ [ البقرة : 282 ] ، ومن السنة قوله صلى اللّه عليه وسلم : « من عمل بما علم ورّثه اللّه علم ما لم يعلم » « 2 » . والحاصل : إن السالك إذا زكّى ظاهره وباطنه ، وصفى قلبه من الأغيار بإلقاء النور المحمّدي ؛ انجلت مرآة قلبه من الكدورات الكونية ، وانمحى عنها صدأ النقوش النفسية ، فيتأهل حينئذ القلب لتنزّل الفيوض الربّانية ، ويصير أهلا للمشاهدة والمكالمة ، فيفهم من القرآن فهما لا يفهم غيره ، وينزل عليه معنى يخصّه ، ويعم سواه خيره « 3 » . فمن ذلك ما نقل عن سيدي أبي العباس المرسي رضي الله عنه في معنى قوله سبحانه وتعالى : يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ [ الروم : 19 ] : كإنسان أذنب ذنبا فتلاشاه بالاعتذار والذلّة والانكسار فهذا حيّ ؛ وهو الاعتذار .
--> ( 1 ) رواه أحمد ( 4 / 228 ) ، والدارمي ( 2 / 320 ) ، بنحوه . ( 2 ) رواه أبو نعيم في الحلية ( 10 / 15 ) . ( 3 ) فمن أراد أن يتطهّر من الألواث ؛ فليكن على حسن النية أولا ، وعلى عمل الشريعة ثانيا ، فحسن النيّة يجر العمل الشرعي إلى مقام القبول ، وعنده الوصول ، ومن عمل بما علم : أي بشرط حسن النيّة ؛ ورّثه اللّه علم ما لم يعلم ؛ وهو علم اللدني ؛ لأنه نتيجة ذلك ، فلا بد لتحصيل هذا العلم العزيز من تقوى ، وسلوك ، وعمل صالح .