أحمد بن ابراهيم النقشبندي
286
شرح الحكم الغوثية
--> - و ( اللاهوت ) عالم أعلى كما أن الجبروت عالم أو سط ، والملك عالم الشهادة والملكوت عالم الغيب الإضافي والحقيقي فهو يعم الجبروت والعظموت واللاهوت . وقيل : إن الملكوت عالم الأرواح ، والمعنى الشيخ المسلك لك أيها السالك الطالب للسلوك الموصل لك إلى القدسية الكاشف لك الحجب المانعة لك من الوصل والمقرب لك إلى جناب حضرة مولاك الناقل لك من نار البعد ، والانفصال إلى جنة القرب ، والاتصال هو الذي يميت نفسك وهواك عن السوى ، ويقطعها عن حظوظها وشهواتها كالميت قبل أن تموت بالموت الطبيعي اللازم للطبيعة الحيوانية ، فتكون أنت ميتا ماشيا على وجه الأرض كما هو حال أبي بكر الصديق رضي اللّه تعالى عنه ، وشهد له النبي صلى اللّه عليه وسلم بهذا الحال حيث قال : « من أراد أن ينظر إلى ميت يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى أبي بكر رضي اللّه عنه » . وأيضا الشيخ هو الذي جال وطاف بروحك لا ببدنك ؛ لأن الجولان في عالم الغيب بالبدن من خواص خاتم الرسل عليه وعلى آله أفضل - الصلاة وأتم السلام - والكمّل من ورثته يطوفون بأرواحهم لا بأبدانهم ، فالشيخ يطوف بروحك في عالم اللاهوت ويعرج بك إلى العظموت ، ويشهدك منازل الناسوت إلى أن يقول لك : ها أنت ومولاك ، فتبلغ غاية الرضا وأقصى المنى ، ولا يبقى في قلبك شيء من السوى . وبالجملة إن لم يأخذ السالك الطريق ممن يكون من الرجال الموصوفين بأوصاف الكمال فلن يفلح . وقوله : ( الشيخ من نقل أسمك ومحى رسمك ) أي : الشيخ الذي يسلك بك هو الذي نقل اسمك عنك بإفناء وجودك في وجود الحق تعالى ، فلا يبقى لك اسم ومحى أيضا رسمك بإفناء إرادتك في إرادة اللّه تعالى ، فلا يبقى لك رسم ، فبالأول يحصل لك الفناء في اللّه ، وبالثاني يحصل لك الاتّحاد مع اللّه تعالى بالمعنى الذي اصطلح عليه القوم فيهما وهو الخروج عن الوجود لغير الحق بأن يثبت الوجود له تعالى ، ويتحقق بحديث : « كان اللّه ولا شيء معه » . والآن كما كان ، وبقوله تعالى : كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [ القصص : 88 ] . كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ [ الرحمن : 26 ] ، أو عن صفاته البشرية بأن يدخل في الصفات الحقيّة ، وهو مقام بي يسمع وبي يبصر هذا في الأول ، وهو الفناء والخروج عن إرادته لإرادة اللّه تعالى في الثاني وهو الاتحاد ، فمن صار وجوده وجود اللّه وإرادته إرادة اللّه فهو متحد مع اللّه في هاتين الصفتين لا في الذات ؛ لأن عينية الأشياء للحق من حيث ظهوره فيها وانصباغه بصبغها . وأمّا من حيث الذات فالأشياء أشياء واللّه اللّه كما صرح به الشيخ قدس سره في « الفتوحات المكية » - وقال بعضهم : الفناء نفي العبد لاختياره المغاير لاختيار اللّه تعالى ؛ لأن الكمال أن يختار العبد ما اختاره اللّه له إن يختاره ، وإلا فالإنسان لا يجوز أن يكون غير مختار ؛ لأنه تعالى وإن نفاه فقد أثبته فقال : وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى [ الأنفال : 17 ] ، فأثبت في هذا القول الرمي وقد نفى . والبقاء أن يختار باختياره تعالى له الاختيار بعد ما نفى اختياره المغاير لاختيار اللّه تعالى ، فالعبد في هذا المقام مختار من جهة البقاء غير مختار من جهة الفناء ، وأمّا العوام فلهم الاختيار مطلقا لرؤيتهم الوجود لنفوسهم وأن يعملوا بإرادتهم ، ويجوز أن يكون المراد ( بنقل الاسم ) غير ما قلنا : من رفعه بالإفناء ، بل معناه الحقيقي ، ويكون حقا قوله : ( ومحى رسمك ) من عطف السبب على المسبب ، فإن الشيخ ينقل المريد من اسم إلى اسم من اسم العام إلى الخاص إلى أخص الخاص ، أو من الجاهل إلى العالم إلى العراف باللّه ، أو من اسم المسلم إلى المؤمن إلى الصالح إلى المحسن إلى الشهيد إلى الصديق إلى المحقق إلى غير ذلك من الأسماء المصطلح عليها لهذه الطائفة بسبب محو العادات ورسوماته عنه فتبصر . ثم قال الشيخ قدّس سرّه : ( الشيخ من أطلعك على حالك ، لا من أخذ مالك ) أي : الشيخ المسلك هو الذي جعلك مطلعا على حالك من النقص والكمال ، فيذهب منك النقص ، ويفيض عليك الكمال بالاستئذان لك من ربك بأن يكون الشيخ من خواص الخواص الكاملين المكمّلين ، الذين هم مع غلبة التسليم عليهم يأمرون المريد ، ويرغبونه في الأشياء ، ويرهبونه من أشياء ، وينزلون من مقامهم لمقام المريد حتى يقيّم عوجه ؛ لأن الشيخ هو الذي يأخذ مالك عنك كالمشايخ بعد قرن عاشر قعدوا على السجادة بدون إذن من اللّه تعالى ، فيأخذون أموال الناس من غير استحقاق فيهم . وهذا الشيخ كما أنه يأخذ مالك أيضا يأخذ دينك ؛ لأن المريد ناظر إلى شيخه ، ويتأدب بآدابه وآدابه مذمومة . ومن هنا قيل : إن العلماء السوء أشدّ من الشيطان ؛ لأن الشيطان يضرك في دينك ، وذاك يضرك في دنياك ودينك ، فعلى هذا يجوز أن تكون ( ما ) في ( مالك ) موصولة أي : لا الشيخ الذي يأخذ منك ما حصل لك من أمور الدين والدنيا ، ولا الشيخ الذي هو من خواص الأولياء الذي محقه التسليم للّه تعالى في سائر الأحوال وما بقي له اختيار ، فإن مثله لا يرى في الوجود محظورا ينهاك عنه مع أن الصحبة تقتضي الميل إلى الصاحب ، وهذا الرجل ما له ميل إلى أحد سوى اللّه تعالى حتى يقيّم عوجه ويصلح فساده ، واللّه يقول الحق وهو يهدي السبيل . .