أحمد بن ابراهيم النقشبندي

274

شرح الحكم الغوثية

يتصل المعدوم الفاني بالموجود الباقي . فانظر يا أخي إلى هذين التعبيرين النفيسين في تعريف الوصول ما أوقعهما في القلوب ، وما أعمهما نفعا حيث أفهم كل طالب معرفة الوصول إلى المطلوب . فاجتهد أيّها الأخ في الاقتداء بأهل التمكين ، ولا تتمسك إلّا بمقالاتهم ، ولا تقيد إلّا بأقوالهم وأفعالهم وأحوالهم في كل حين ، يكن جسمك قلما لكتابة الخدمة ، وروحك لوحا لتنزل فيوض الرحمة ، ونفسك كأسا تشرب من رائق الشراب ، وتذوق ما ذاقه القوم مع كل معنى مستطاب . 134 - الأجسام أقلام ، والأرواح ألواح ، والنفوس كؤوس . الأجسام أقلام ؛ إذ هي كالأقلام في القيام ، والسعي على الرأس في الخدمة ، وتطهر منها الآثار ، كالصلاة والصيام ، كما تطهر من الأقلام والآثار المهيمة . والأرواح ألواح ، كأنها محل تنزل الفيوض الإلهية ، وموضع لرقم الأسرار الربّانية ، فمن أصلح جسمه في الخدمة عظمت فيوضه ، وحلّت أسرار روحه ، والنفس كؤوس لارتشاف كؤوس شراب المعاملات ، فمن لم يشرب بها لم ينل ثمة مما قاله أهل المجاهدات ، فمن لم يكن بعزمه في الطريق فلا عقدة له عند أهل التحقيق . قال تعالى : وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا [ العنكبوت : 69 ] . فعض أيّها الأخ بالنواجذ على المجاهدة ، وأحكم الطريق ، وإيّاك والدعوى الملجمة للمحاكمة قبل تمكن الأحوال ؛ فإنها تقطعك وتعوقك أعظم تعويق . 135 - [ وقال رضي الله عنه : الوحدة بحضرة تلهب ، ثم نظرة تسلب ] « 1 » .

--> ( 1 ) هذه الحكمة شرحها الشيخ أحمد باعشن بقوله : معنى وحدة الحق سبحانه وتعالى سابقة حيث لا كون ولامكان ولا إنس ولا جان ، فلا وجود لشيء معها البتة . وقوله : تلهب ، أي عدم محض وعماء وكأنه رحمه اللّه رد على من يقول يقدم العالم ، ومعنى الوحدة الخلفية هي العزلة في الخلوة ، لأن الوحدة والعزلة نارية على النفس تلهب عليها لتحرق رعونتها ، وتميت دغائلها ، تحسبها من مرادها ، وتقعدها عن شهواتها ، كما قال معاذ بن جبل الرازي رحمه اللّه : جاهدوا أنفسكم بأسياف الرياضة ، قبل : وكيف الرياضة ؟ قال : هي أربعة : إقلال الطعام ، والغمض من المنام ، والحاجة من الكلام ، واحتمال الأذى من جميع الأنام ، ويتولد من قلة الطعام موت الشهوات ، ومن قلة المنام صفو الإرادات ، ومن قلة الكلام السلامة مهن الآفات ، ومن احتمال الأذى البلوغ إلى الغايات ، وقال بعض المشايخ : من شق -