أحمد بن ابراهيم النقشبندي

257

شرح الحكم الغوثية

مولاهم بشهود نعمه عليهم ، ودوام معافاته لهم ، عالمين بأن شكر النعمة يقتضي المزيد ، وأن العبد ليس له إلّا الرجوع إلى باب مولاه ، وانقياده له انقياد العبيد . وعبيد الرهبة لا تزيدهم النعم إلّا تماديا في الطغيان ، وبعدا من الرجوع إلى باب سيدهم ، وانهماكا في العصيان ، فجرت سنة اللّه عزّ وجل أن يدعوا الجميع لسعة الأرزاق ، ودوام المعافاة ؛ ليرجعوا إليه بنعمته ؛ معاملة لهم بالفضل ، وإسباغا عليهم من واسع رحمته ، فإن رجعوا كما هو شأن عبيد الرغبة كان ذلك سببا لسعادتهم ، وتمّت لهم إشراف الصحبة ، وإن لم يرجعوا كما هو شأن عبيد الرهبة ابتلاهم بالبأساء والضراء ؛ لعلهم يرجعون ، وجرهم بسلاسل الرهبة إلى دخول الجنان ، وهكذا شأن الطبيب العارف بأدوية المرضى ، يعالج المرض أولا بالأدوية السهلة الملائمة للطبيعة ، فإذا أفاد وإلا أعاد علاجها بالأدوية القوية القاهرة للعلة . فاجتهد أيّها الأخ أن تكون من القسم الأول ، راجعا إلى باب مولاك ، شاكرا لما أنعم به عليك ، ورزقك وأعطاك ، وإيّاك أن تكون من القسم الثاني ، فتنظر إلى الأكوان نظر شهوة ، فتقف عندها ، وتكون من المبعدين ، وتبوء بالحيرة ، وتكون يوم القيامة من الخاسرين . 125 - من نظر إلى المكونات نظر إرادة وشهوة حجب عن الغيرة بها ، والانتفاع بها . لأنه إذا نظر إليها نظر إرادة وشهوة وقف معها ، وسكن إليها ، فيحجب بها عن العبرة بها ، والانتفاع بدلالتها ، بخلافه إذا نظر إليها نظر اعتبار ، وجعلها دليلا له ، ومعراجا يرتقي لغالي حضرة الأنوار ، كانت براقا يرقى به إلى مسراه ، ويتحقق به ما يتوقعه من كمال عبوديته ، وإقباله على مولاه ، ولذلك قال سبحانه وتعالى : قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ يونس : 101 ] ؛ لأن النظر لما فيهما يوجب الاعتبار ، وتقتضي مجاورتها ، وعدها من الاعتبار ، والنظر إليهما يقتضي الوقوف معهما ، والسكوت إليهما ، وهو عين البعد والحجاب بهما . فاجتهد أيها الأخ في ألا تنظر إلى الأكوان إلا نظر أولي البصائر والاعتبار ، لا تركن إلى شيء من أعمالك ، واسبح بنفسك في محبة مولاك ؛ لعلك تكون من الشهداء في تلك الدار .