أحمد بن ابراهيم النقشبندي
255
شرح الحكم الغوثية
--> - فقال أبو يزيد : لأنك عظمت نفسك فسبحتها . قال يا أبا يزيد : لست أقدر على هذا ولا أفعله ولكن دلني على غير هذا حتى أفعله . فقال له أبو يزيد : ابدأ بهذا قبل كل شيء حتى تسقط جاهك وتذل نفسك ثم بعد ذلك أعرفك بما يصلح لك . قال : لا أطيق هذا . قال : إنك قد قلت أنك تقبل وتعمل وأنا أعلم أن لا مطمع لعبد فيما حجب عن العامة من أسرار الغيب حتى تموت نفسه ويخرق عوائد العامة فحينئذ تخرق له العوائد وتظهر له الفوائد انتهى . وكذلك قصة أبي عمران البردعي مع شيخه أبي عبد اللّه التاودي بفاس من حلق رأسه ولبسه جلابية ، وأخذه خبزة ينادي عليها من يخلصها ففعل جميع ذلك ، وكذلك قصة شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن المجذوب من أكله التين عند أشجار الناس وغنائه بالأسواق وخرابه بالقصر مشهور حتى طوفوه بها مرارا ، وكذلك قصة سيدي علي العمراني ، فخرابه بفاس مشهور كنار على علم سكن السفليات حتى مات رضي الله عنه ، وكذلك قصة شيخ شيخنا مولاي العربي من لبسه الغرارة وسقيه بالقربة وغير ذلك مما هو معلوم فهذه الحكايات تدل على أن الخمول ليس هو ما يفهمه العوام من لزوم البيوت والفرار إلى الجبال ، فذلك هو عين الظهور عند المحققين وإنما الخمول هو كما قال الشيخ زورق رضي الله عنه : تحقيق النفس بوصفها الأدنى وشعورها به أبدا ، ووصفها الأدنى هو الذل وكل ما يثقل عليها فمرجعه للتحقيق بوصف التواضع ، وفائدته : تحصيل العمل وكمال الحقيقة انتهى . فإن قلت في فعل هذه الأحوال التعرض لكلام الناس ، وإيقاعهم في الغيبة . قلت : هذا مبني على القصد والنية وكل من فعل شيئا من ذلك فإنما قصده قتل نفسه وتحقيق إخلاصه ودواء قلبه وهم مسامحون لمن قال فيهم عاذرون له قال سيدي علي في كتابه : نحن نعذر من عذرنا ونعذر من لم يعذرنا . وقال الشيخ زروق رضي الله عنه : في قواعده قاعدة حكم الفقه عام في العموم لأن مقصوده إقامة رسم الدين ورفع مناره وإظهار كلماته ، وحكم التصوف خاص في الخصوص لأنه معاملة بين العبد وربه من غير زائد على ذلك فمن ثمّ صح إنكار الفقيه على الصوفي ولم يصح إنكار الصوفي على الفقيه ولزم الرجوع من التصوف إلى الفقه في الأحكام لا في الحقائق انتهى . -