أحمد بن ابراهيم النقشبندي
232
شرح الحكم الغوثية
المعية حقها ، ولزم لمولاه حسن الأدب ، وعلم أنه عبده في كل حال ، وهو ربّ كما قال بعض العارفين ، أعطى الإلهية حقها ، وألزم له حسن الأدب . واعلم أنك عبده في كل حال ، وهو ربّ قد اتصف بجميع ما في الأحياء والعوارف من المعاملات ، وزاد على ذلك بمذاق أهل المشاهدات ، ظاهره معمور بالشريعة ، وباطنه معمور بأدب الطريقة ، وسره تشرق منه أنوار الحقيقة ، فينفق من خزائن لا إله إلّا اللّه ، ويدخل في فاخرات محمد رسول اللّه ، فمثل هذا يصلح للصلاة الحقيقية على بساط الحق ، ويقتدي به العموم والخصوص من الخلق ، ويكون مالكا للأحوال ، يتصرّف فيها كيفما أراد ، ويذيقها من أراد من أهل البدايات ؛ ليكون لهم أسرع مطية ، وأتم ناد . 106 - الأحوال مالكة لأهل البدايات فهي تصرفهم ، ومملوكة لأهل النهايات فهم يصرفونها . الأحوال هي الواردات الغيبية التي ترد على القلب ، وتتصرف تصرف الخمرة في شاربها ، وتضطرب الجوارح عند ذلك ، وتتغيّر الكلمات ، ويبوح صاحبها بما هنالك ، وهذا كله لأهل البدايات ؛ لأن الأحوال مالكة لهم ، ومتصرفة فيهم ؛ لضعف حالهم ، وعدم تمكنهم في مغانمهم ، كالمبتدئ في شرب الخمر المجازي ، فإنه لو شرب منه قدحا أثّر فيه ، وظهرت آثاره في سائر أعضائه ونواحيه ، بخلاف المتمكن من الشرب ، المدمن له ، لو شرب أقداحا متعددة لا يظهر فيه أشد ذلك ، ولا يبدي ثمة مما خفي هنالك ، فذلك المتمكن من أهل النهايات ، لو شرب أقداحا متعددة من الخمرة الحقيقية ، وتواردت عليه أمثال الجبال من الواردات الغيبية ، لا يؤثر فيه ذلك شيء ، ولا يظهر عليه ذرة من تلك الأحوال التي تظهر على أهل البدايات ، كالبحر الذي كلّما وصل إليه شيء من الماء يعاد حاله إلى طبعه ، فلذلك قيل : إن معرفة الأحوال سهلة ؛ لظهور الآثار عليهم ، وأما معرفة التمكن لا تتيسر لكل أحد ، ولا يعرفها إلّا المتمكن الراسخ في المعرفة . ولهذا كان الجنيد رضي الله عنه يتأثر من واردات السماع في البداية ، ولا يتأثّر منها في