أحمد بن ابراهيم النقشبندي
229
شرح الحكم الغوثية
الأخ في سائر أعمالك ، وافن عن أقوالك وحولك وقوتك ، تشم منه أزكى رائحة ، وتمحق فائدتك ، ويبقى رأس مالك . 101 - بقاء الأبد في فنائك عنك . لما بين لك أيّها السالك أن الإخلاص فناؤك عن الخلق في مشاهدة الحق شرع يتمم لك معنى ذلك ، ويرشدك إلى بعض فوائد ما هنالك ، فقال : فناؤك عنك الذي هو غاية الإخلاص ومنتهاه ؛ لأنك من الأكوان ، ولا يتم إخلاصك إلّا إذا خرجت عنك ، فتحوز بذلك بقاء الأبد ، وتتصل بجوار الفرد الصمد ؛ إذ خروجك عنك عين وصولك إليه ؛ لأنك متى خرجت عن الخلق وصلت إلى الحق ؛ إذ لا واسطة بينهما ، فلذلك قيل : الطريق فصل ووصل ، فمتى انفصلت وصلت ، فلذلك كان حقيقة الإخلاص والتحقق أعز من الكبريت الأحمر ، ومن يتحقق به تحقق بالسعد الأكبر ، وغايته ومنتهاه ، فنائك عنك : أي خروجك عن أفعالك وأقوالك ووجودك ، إلى أفعال اللّه وأقواله ووجوده ، وهذه هي جنة العارفين التي من دخلها كان له نعيم الأمد والنعيم السرمد . فاجتهد أيّها الأخ في تصحيح هذا المقام ، واجعل كلك له لعلّك تظفر بكأس من كؤوس هذا المدام . 102 - ثمن التصوّف تسليم كلك . القصد فيه كما قال بعض العارفين : تصفية القلب عن موافقة البرية ، ومفارقة الأخلاق الطبيعية ، وإخماد صفات البشرية ، ومجانبة الدواعي النفسانية ، ومنازلة صفات الروحانية ، والتعلّق بعلوم الحقيقة ، واتّباع الرسول صلى اللّه عليه وسلم في الشريعة . وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه : التصوّف تدريب النفس في العبودية ، وردها إلى أحكام الربوبية ، فإذا ما نظرت وجدت هذا التعريف عين الأول ، وإنما الاختلاف في الإجمال والتفصيل ، ولا يحصل التصوّف على كلا المعنيين إلّا ببذل الثمن ، وهو تسليم كلك ، وخروجك عن حولك وقوتك وفعلك ، فتكون مع مولاك كالميت بين يدي المغسل ، لا ترى لك فعلا ولا إرادة ولا اختيارا ، فحينئذ تنغسل عنك أوساخ الشرك ، وصفات الرذائل ، ومع ذلك لا تزال واقفا في مقام عزتك ، باذلا للخدمة من قدمك إلى