الشيخ البهائي العاملي

189

الكشكول

أفيعلم ابن جذعان ما يراد منه بالثناء عليه ؟ ! ولا يعلم اللّه ما يراد منه بالثناء عليه . السكاكي يستهجن قول أبي تمام : لا تسقني ماء الملام فإنني * صب قد استعذبت ماء بكائي لأنّ الاستعارة التخييلية فيه منفكة عن الاستعارة بالكناية ، وصاحب الإيضاح يمنع الانفكاك فيه مستندا بأنه يجوز أن يكون قد شبه الملام بظرف شراب مكروه فيكون استعارة بالكناية ، وإضافة الماء تخييلية ، وأنه تشبيه من قبيل لجين الماء لا استعارة ، قال ووجه الشبه أنّ اللوم يسكن حرارة الغرام كما أنّ الماء يسكن غليل الأوام . وقال الفاضل الجلبي في حاشية المطول : فيه نظر ، لأنّ المناسب للعاشق أن يدعي أنّ حرارة غرامه لا تسكن لا بالملام ، ولا بشيء آخر ، فكيف يجعل ذلك وجه شبه ؟ ! انتهى كلامه هذا . ونقل ابن الأثير في كتاب المثل السائر أنّ بعض الظرفاء من أصحاب أبي تمام لما بلغه البيت المذكور أرسل إليه قارورة وقال : ابعث إلينا شيئا من ماء الملام ، فأرسل إليه أبو تمام ابعث عليّ بريشة من جناح الذل لأبعث إليك بشيء من ماء الملام . ثم إنّ ابن الأثير استضعف هذا النقل وقال : ما كان أبو تمام بحيث يخفى عليه الفرق بين التشبيه في الآية والبيت ، فإنّ جعل الجناح للذل ليس كجعل الماء للملام ، فإنّ الجناح مناسب للذل ، وذلك أنّ الطائر عند إشفاقه وتعطفه على أولاده يخفض جناحه ويلقيه على الأرض ، وهكذا عند تعبه ووهنه ، والانسان عند تواضعه وانكساره يطأطئ رأسه ويخفض يديه اللذين هما جناحاه ، فشبه ذله وتواضعه لحالة الطائر على طريق الاستعارة بالكناية وجعل الجناح قرينة لها وهو من الأمور الملائمة للحالة المشبّه بها ، وأما ماء الملام فليس من هذا القبيل كما لا يخفى انتهى كلام ابن الأثير مع زيادة وتنقيح هذا . ويقول كاتب هذه الأحرف إنّ للبيت محملا آخر كنت أظن أنّي لم أسبق إلى هذا الوجه حتى رأيته في التبيان وهو أن يكون ماء الملام من قبيل المشاكلة لذكر ماء البكاء ولا يظن أنّ تأخر ذكر ماء البكاء يمنع المشاكلة ، فإنهم صرحوا في قوله تعالى : فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ « 1 » أنّ تسمية الزحف على البطن مشيا لمشاكلة ما بعده وهذا الحمل إنما يتمشى على تقدير عدم صحة الحكاية المنقولة .

--> ( 1 ) النور الآية ( 44 ) .