الشيخ البهائي العاملي
300
الكشكول
ولا يلزم من كون إطلاق القيام على هذا المعنى مجازا أن يكون إطلاق الموجود عليه مجازا كما لا يخفى ، على أنّ الكلام هاهنا ليس في المعنى اللغوي وأنّ إطلاق الموجود عليه حقيقة أو مجازا فانّ ذلك ليس من المباحث العقلية في شيء . فتلخص من هذا أنّ الوجود الذي هو مبدأ اشتقاق الموجود أمر واحد في نفسه وهو حقيقة خارجية ، والموجود أعم من هذا الوجود القائم بنفسه وهو مما ينتسب إليه انتسابا خاصا وإذا حمل كلام الحكماء على ذلك لم يتوجه عليه أنّ المعقول من الموجود أمر اعتباري هو وصف للموجودات وهو الذي جعلوه أول الأوائل البديهية ، فاطلاق الموجود على تلك الحقيقة القائمة بذاتها إنما يكون بالمجاز أو بوضع آخر ، ولا يجدي ذلك في استغناء الواجب عن عروض الوجود والمفهوم المذكور أمر اعتباري ، فلا يكون حقيقة الواجب تعالى . قوله تعالى : وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ « 1 » قد اتفق الكل على أنّ النبي « ص » صلّى إلى صخرة بيت المقدس بعد الهجرة مدة ثم أمر بالصلاة إلى الكعبة وإنما اختلفوا في أنّ قبلته بمكة هل كانت الكعبة أو بيت المقدس : والمروي عن أئمة أهل البيت عليهم السلام ، أنها كانت بيت المقدس ، ثم لا يخفى أنّ الجعل في الآية الكريمة جعل مركب لا بسيط وقوله تعالى : كنت عليها ثاني مفعوليه كما نص عليه صاحب الكشاف واختلفوا في المراد بهذا الموصول ؛ فأئمتنا سلام اللّه عليهم على أنّ المراد بيت المقدس ما يجعل في الآية هو الجعل المنسوخ ، وأما القائلون بأنه كان « ص » يصلي بمكة إلى الكعبة فالجعل عندهم يحتمل أن يكون جعلا منسوخا باعتبار الصلاة في المدينة مدة إلى بيت المقدس ، وأن يكون جعلا ناسخا باعتبار الصلاة بمكة . أقول : وبهذا يظهر أنّ جعل البيضاوي رواية ابن عباس دليلا على جواز كون الجعل منسوخا كلام لا طائل تحته ، وصاحب الكشاف لما قرر ما يستفاد منه جواز إرادة الجعل الناسخ والمنسوخ نقل الرواية عن ابن عباس ، وغرضه بيان مذهبه في تفسير هذه الآية كما ينقل مذهبه في كثير من الآيات ، فظنّ البيضاوي أنّ مراده الاستدلال على جواز إرادة الجعل المنسوخ . ثم أقول : إنّ في كلام الإمام الرازي في تفسيره الكبير في هذه الآية نظرا أيضا فإنه فسر الجعل بالشرع « 2 » والحكم أي : وما شرعنا القبلة التي كنت عليها وما حكمنا عليك بأن تستقبلها الا لنعلم ؛ ثم قال إنّ قوله تعالى : « التي كنت عليها ليس نعتا للقبلة وإنما هو ثاني مفعولي جعلنا ، وأنت خبير بأنّ أول كلامه مناف لآخره فتأمل به .
--> ( 1 ) البقرة 144 . ( 2 ) الشرع : الطريقة ، ويحتمل أن يكون الحكم جمع الحكمة فتأمل .