الشيخ البهائي العاملي

12

الكشكول

من كلام بعض الأعلام العزلة بدون عين العلم زلة وبدون زاء الزهد علّة . من كلام بوذرجمهر عاداني الأعداء فلم أرعدوا اعدى من نفسي . عالجت الشجعان والسباع فلم يغلبني أحد كصاحب السّوء أكلت الطيب وضاجعت الحسان فلم أر ألذ من العافية . اكلت الصبر وشربت المر فما رأيت اشدّ من الفقر . صارعت الأقران وبارزت الشجعان فلم أر أغلب من المرأة السليطة . رميت بالسهام ورجمت بالأحجار فلم أجد أصعب من كلام السوء يخرج من فم مطالب بحق . تصدقت بالأموال والذخائر فلم ار صدقة أنفع من رد ذي ضلالة إلى الهدى سررت بقرب الملوك وصلاتهم فلم أر أحسن من الخلاص منهم . استمرت العادة في أقاصي بلاد الهند على إقامة عيد كبير على رأس كل مائة سنة فيخرج أهل البلد جميعا من شيخ وشاب وصغير وكبير إلى صحراء خارج البلد ، فيها حجر كبير منصوب فينادي منادي الملك لا يصعد على هذا الحجر إلا من حضر هذا العيد قبل هذا ، بما جاء الشيخ الهرم الذي ذهبت قوته وعمي بصره والعجوز الشوهاء « 1 » وهي ترجف من الكبر فيصعدان على ذلك الحجر أو أحدهما وربما لا يجيء أحد وقد يكون قد فنى ذلك القرن بأسره فمن صعد على ذلك الحجر نادى بأعلى صوته قد حضرت العيد السابق وأنا طفل صغير وكان ملكنا فلانا ووزيرنا فلانا وقاضينا فلانا ، ثم يصف الأمم الماضية من ذلك القرن كيف طحنهم الموت واكلهم البلى وصاروا تحت اطباق الثرى ، ثم يقوم خطيبهم فيعظ الناس ويذكرهم الموت وغرور الدنيا ولعبها بأهلها فيكثر في ذلك اليوم البكاء وذكر الموت والتأسف على صدور الذنوب والغفلة عن ذهاب العمر ، ثم يتوبون ويكثرون الصدقات ويخرجون من التبعات . ومن عاداتهم أيضا أنه إذا مات ملك من ملوكهم أدرجوه في أكفانه ووضعوه على عجلة « 2 » وشعر رأسه يسحب على الأرض وخلفه عجوز بيدها مكنسة تدفع بها ما تعلق من التراب بشعره وهي تقول : اعتبروا أيها الغافلون شمروا « 3 » ذيل الجد أيها المقصرون المغترون وهذا ملككم فلان انظروا إلى ما صيرته إليه الدنيا بعد ذلك العزة والجلالة ولا تزال تنادي خلفه كذلك إلى أن تدور به جميع أزقة « 4 » البلد ثم يودع في حفرته وهذا رسمهم في كلّ ملك يموت في أرضهم .

--> ( 1 ) الشوهاء أي القبيحة المنظر يقال شوه اللّه وجهه أي قبحه . ( 2 ) العجلة الآلة التي تحمل عليها الأثقال وتطلق على الآلة التي يجرها الثور . ( 3 ) يقال : شمر الثوب عن ساقيه رفعه . ( 4 ) الأزقة جمع الزقاق شوارع البلد المضيقة .