ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني

90

مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )

--> - من الدنيا ، ولا يقبل من أحد شيئا . وبعث إليه السّلطان الكامل ألف دينار فردّها إليه ، وسأله أن يجهز له ضريحا عند قبر أمه في قبّة الإمام الشافعي رضي اللّه عنه ، فلم يأذن له بذلك ، ثم استأذنه أن يجهّز له مكانا يكون له مزارا يعرف به ، فلم ينعم له بذلك . قال الشيخ كمال الدّين محمد ولده : سمعت والدي الشيخ عمر يقول : كنت في أول تجريدي استأذن والدي ، وأطلع إلى وادي المستضعفين بالجبل المقطّب ، وأقيم في هذه السّياحة ليلا ونهارا ثم أعود إلى والدي ؛ لأجل بره ومراعاة قلبه ، وكان والدي يومئذ خليفة الحكم العزيز بالقاهرة ومصر ، وكان من أكابر أهل العلم والعمل ، فيجد سرورا برجوعي إليه ، ويلزمني بالجلوس معه في مجالس الحكم ومدارس العلم ، ثم أشتاق إلى التجريد وأستأذنه وأعود إلى السياحة ، وما برحت أفعل ذلك مرة بعد مرة إلى أن سئل والدي أن يكون قاضي القضاة فامتنع ونزل عن الحكم ، واعتزل الناس وانقطع إلى اللّه بالجامع الأزهر إلى أن توفي ، فعاودت إلى التجريد والسيّاحة وسلوك الطريقة ، فلم يفتح عليّ بشيء ، فحضرت يوما من السّياحة إلى المدينة ، ودخلت المدرسة السوقية فوجدت رجلا شيخا بقالا على باب المدرسة يتوضأ وضوء غير مرتّب ، غسل يديه ثم غسل رجليه ثم مسح برأسه ثم غسل وجهه ، فقلت : يا شيخ إنك في هذا السّن في دار الإسلام ، وأنت تتوضّأ وضوء غير مرتّب ، فنظر إليّ وقال : يا عمر أنت ما يفتح عليك في مصر ، وإنما يفتح عليك بالحجاز في مكة ، فاقصدها فقد آن لك وقت الفتح ، فعلمت أن الرّجل من أولياء اللّه تعالى ، وأنّه يتستر بالمعيشة وإظهار الجهل بترتيب الوضوء ، فجلست بين يديه وقلت له : يا سيدي ، وأين أنا ومكة ولا أجد ركبا ولا رفقة في غير أشهر الحج ؟ ! فنظر إليّ وقال : هذه مكة ، فتركته وطلبتها فلم تبرح أمامي حتى دخلتها في ذلك الوقت ، وجاءني الفتح حين دخلتها ، وترادف ولم ينقطع ، وشرعت في السّياحة في أوديتها وجبالها ، وكنت أستأنس فيها بالوحش ليلا ونهارا ، وأقمت بواد بينه وبين مكة عشرة أيّام للراكب المجد ، وكنت آتي منه كل يوم وليلة وأصلّي في الحرم الصلوات الخمس ، ومعي سبع عظيم الخلقة يصحبني في ذهابي وإيابي ، وينخ لي كما ينخى الجمل ، ويقول : يا سيدي اركب ، فما ركبته قط . وتحدث بعض جماعة من أكابر المشايخ المجاورين بالحرم بمكة بتجهيز مركوب يكون عندي في البريّة ، فظهر لهم السبع عند باب الحرم ، فرأوه وسمعوا قوله : يا سيدي اركب ، فاستغفروا اللّه ، -