ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني
61
مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )
« إن العلم الكسبي يحصل للنبي والولي من غير فكر واكتساب ، بل يعطي الدليل والمدلول ابتداء من غير نظر وفكر » ، فافهم . قال رضي اللّه عنه في « الفتوحات » في الاسم « المؤمن » : في تحققه بهذا الاسم عصمني اللّه من التفكّر في اللّه ، فلم أعرفه إلا من قوله ، وخبره ، وكشفه ، وشهوده ، وبقي الفكر مني معطلا في هذه الحضرة ، وشكرني فكري على ذلك ، وقال لي : الحمد للّه الذي عصمني بك من التصرّف والتعب فيما لا ينبغي إلى أن أتصرّف فيه ، فصرفته في الاعتبار ، وما يعني على أني لا أصرفه إلا في الشغل الذي خلق له مني ، صرفته فأجبته إلى ذلك فما قصّرت في حق قواي كلها ؛ حيث لم أتعد بها ما خلقت له وحصل لها الآمان من جهتنا في ذلك ، فأرجو أنها تشكرني عند اللّه تعالى ، وأعني القوى الروحانية التي خلق اللّه ، فافهم . وأما القسم الآخر : وهو الإدراك الذاتي ، وهو فيه كالحواس لا يخطئ أبدا وهو إدراك بحت صرف ، وقبول محض خالص من إلقاء إلهي أو رباني أو إيماني بإلقاء التراجح ، فهو صحيح لإفساد فيه أصلا . فلهذا كثيرا ما يقول رضي اللّه عنه : إن العقل لا يستقل بالإدراك ، ولم يقل رضي اللّه عنه أنه لم يدركه ؛ لأن اللّه تعالى ما جعل لإدراك الأمور سيّما المجرّدات الصرفة سوى العقل . ورد في الخبر : « إن الناس يعملون بالخير ، وإنما يعطون أجورهم على قدر عقولهم » « 1 » رواه الحكيم عن أنس ذكره في جمع الجوامع . ولكن بالفكر تك شبه وهميّة كما فهمته ، أما ترى صاحب الناموس الأكبر صلى اللّه عليه وسلم نهى عن التفكّر ، وأمر بالتخيل حيث قال صلى اللّه عليه وسلم : « لا تفكروا في ذات اللّه » « 2 » . ورد في الخبر عنه صلى اللّه عليه وسلم : « إلا في اللّه لا تفكروا ثلاثا » « 3 » ذكره أبو الشيخ في العظمة عن يونس بن ميسرة مرسلا .
--> ( 1 ) رواه البيهقي في الشعب ( 4 / 155 ) . ( 2 ) رواه أبو الشيخ في العظمة ( 1 / 241 ) . ( 3 ) رواه أبو الشيخ في العظمة ( 1 / 236 ) .