ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني

59

مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )

لم يكن في قوة العقل إذا خاض في الإدراك أن يدركها إلا بتصور ذلك الأمر المجرّد ، وهذا التصوّر من حكم الوهم ولا بدّ ، وذلك لأن التصور ليس غير الصورة التي لا يحكم بها إلا الوهم ، فصار فيما هو به عالم بالنظر والفكر ، أسير الوهم مقيّدا بلا شكّ ، فله الحكم والسلطنة على العقل من حيث التصور ، فافهم . ووجه آخر في ضعف العقل وقصوره ، وقلة جدواه في الإدراك ، وهو أن القوة الفكريّة لو كانت صفة من صفات الروح وخاصة من خواصه ، أدركت صفة مثلها ، ومن حيث أن القوى الروحانيّة عند المحققين رضي اللّه عنهم لا تغاير الروح فصحّ أن نسلم للناظر أنه عرف حقيقة ما ، ولكن من الوجه الذي يرتبط بتلك الصفة التي هي منتهى نظره ومعرفته . وقد اعترف أستاذ أهل النظر ومقتداهم عند عثوره على هذا السرّ « 1 » إمّا بالذوق وإمّا خلف حجاب القوة الفكريّة بصحة الفطريّة ، أنه ليس في قوة البشر الوقوف على حقائق الأشياء وعوارضها الذاتيّة ذكره في القانون في بحث المزاج ، بل ولا الذاتيات ؛ لأن معرفتها فرع لمعرفة الذات ، فمن لم يعرف الذات كيف يعرف النسب المخصوصة لتلك الذات المخصوصة ، فلا شفاء في الفكر أصلا ، فلهذا قيل : العقل عقال ، والانسلاخ عنه مطالب الرجال . ولكن إدراك العقل على قسمين غير ذاتي وهو الذي ذكرته آنفا ، فإنه يدرك بالآلة التي هي المفكرة ، وبالآلة التي هي الحسن ، فالخيال يقلد فيما يعطيه ، والفكر ينظر في الخيال فيحدّ الأمور مفردات ، فيجب أن ينشئ منها صورة يحفظها العقل ، فينسب بعض المفردات إلى بعض ، فقد يخطئ في نسبة الأمر على ما هو عليه ، وقد يصيب فيحكم على ذلك الحد فيخطئ ويصيب ، وهذا طريق الفكر الذي هو حرام على المرتدين خاصة ، فافهم .

--> ( 1 ) قال سيدي محمد وفا رضي اللّه عنه وعنّا به : السر هو ما يخفى في البيان ، وحقيقته : معنى يعجز عن تصور ما هو الفكر البشري ، وغايته : وجدان يقوم بالقلب لا يمكن التعبير عنه بوجه من الوجوه ا ه المقامات ( ص 21 ) .