ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني
541
مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )
« إذا نزل عيسى عليه السلام فأمّهم ، فإذا رآه عدو اللّه ذاب كما يذوب الملح في الماء » « 1 » . اعتبار ذلك في الأنفس أنه شهود وفناء ، فتنقلب النفس وأحكامها ، وتذوب في العلم فتعرف نفسها ، فإذا عرفت نفسها فتنقلب سفساف أخلاقها كراما ، فهو مقرّر لا ناسخ ، بل يلحق السفاف بالمحامد بتعين المصارف ، وتبين مصادرها ومواردها ، كما قيل : غاضت ثم فاضت ، فلا هي هي ولا هي غيرها . أما ترى إشارة الحديث : ( إنه يذوب ) ، ولم يقل : يعدم أو يهلك ؛ لأن الذوبان من عالم الفساد ترك صورة وخلعها ، ولبس صورة أخرى كان لصوره ملح تركها ، وتلبس بصورة الماء والعين باقية ما انعدمت ، وهكذا الأمر هنا ، ولم يقل : إن أحكام البشرية تزول بل ما زال البشر عن بشريته ، وإن فنيت عن شهوده فعين وجوده باقية ، بل الحد يصحبه . أما ترى إشارة قوله تعالى : قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ [ الكهف : 110 ] ، فإن البشرية لم تزل ولا تزول أبدا . قال الشيخ الأكبر رضي اللّه عنه : إنما قلنا البشرية في الفناء لا تزول ؛ لأني سمعت بعض الشيوخ يقول : هذا حظ البشرية ، فإذا زال عن بشريته كان حكمه حكما آخر ، والأمر ليس كذلك ، فلما تحقق ما ذكرناه رجع عن هذا الاعتقاد ، وقال : ما كنت أظن أن الأمر هكذا ، فإنه تكلم في شرح آية : وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ [ الشورى : 51 ] ، وغلط فيه ، ذكر رضي اللّه عنه هذه المسألة في الباب الموفي خمسين وثلاثمائة من « الفتوحات » . فبهذه الطائفة هم الأبدال حقّا ؛ لأنهم بدّلوا أسفاف الأخلاق بأخلاق الخلاق ، يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات .
--> ( 1 ) رواه مسلم ( 4 / 2221 ) ، والحاكم في المستدرك ( 4 / 529 ) ، وابن حبان في صحيحه ( 15 / 224 ) .