ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني
528
مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )
وإمّا مجرّدة عن الشرع ؛ فلأن الشرع تكليف بأعمال مخصوصة عن أفعال مخصوصة على أشخاص مخصوصة ، ومحلها هذا الدار الدنيا ، فهي منقطعة بانقطاع أهلها أهل الإيمان كما عرفت ، فما بقي منهم في الدار ديارا ، ويقول : مجرّدة عن الشرع : أي المقيّد ؛ لأن المقام مقام الإطلاق ، ومحل ظهور الشرع المحمّدي صلى اللّه عليه وسلم بصرافة إطلاقه في الآفاق من غير تحجير وتحديد . قال تعالى : ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [ هود : 56 ] . هذا دين اللّه الأعم ، وإن الدين كله للّه ، ألا للّه الدين الخالص ، فصاحب هذا المشهد يرى وجه الحق في كل محل وملة ، قال تعالى : فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [ البقرة : 115 ] . أما ترى قوله تعالى : يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [ البقرة : 185 ] . ورد في الخبر الصحيح : « دين اللّه يسر » « 1 » وأي يسر ، ثم من المشي على مقتضى الطبيعة الصرفة بلا تحجير ، فإذا عاد الأمر إلى الإطلاق كما بدأ أولا عادت العادة عبادة ، كما أن اليوم العبادة عادة ، فإن الدين عادة ، ( فعليهم تقوم الساعة ) : أي على أهل الإطلاق المذكور تقوم الساعة . قال اللّه تعالى : إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها [ طه : 15 ] ، لولا أن الإخفاء جاء لغة بمعنى : الإظهار ، لما أظهرنا لهذه المسألة عينا ، ولكن لما أظهرها تعالى بالكناية تارة ، وبالإشارة مرة ، وبالعبارة تارة أخرى ؛ اقتداء به ، واقتفاء بهدي نبيّه ، واللّه المستعان . واعلم أنه ذكر الشيخ رضي اللّه عنه في وصل تاسع عشر من خزائن الجود :
--> ( 1 ) رواه مالك في الموطأ ( 2 / 599 ) ، وذكره ابن حجر في فتح الباري ( 1 / 94 ) .