ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني

516

مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )

( وليس بعده ولد يرث أباه في هذا النوع ) الإنساني الكمالي ، من هذا الجنس من الميراث ، فيختم به الأمر فهو خاتم الأولاد ، وكما أن الختم ينبغي أن يكون على قدم فتحه ، فشيث كان مولودا مع أخته فقال : وكذلك الختم ( تولد معه أخت له ) ، فلا يكون إلا توأما ؛ ليكون الاختتام كالافتتاح ، ولكن سبق أخته وخرج قبلها ، لأنّه في الاعتبار ، وهو بمنزلة العقل الأول في الظهور ، والأخت لها الدرجة الثانية في مرتبة النفس الكل ، بخلاف هذا الخاتم الذي هو آخر مولود له مقام العود والانقلاب ، والرجوع إلى الأصل ، ففي العود تسبق العرجاء ( فتخرج قبله ) ، لأنّ صورة النفس في الترقي تسبق صورة العقل ، وهو يتبعها ( ويخرج بعدها ) . كان الفتح متنزلا في الترقي ، والختم تترقى في تنزله فتظهر أحكامه بعكس أحكامها . ( يكون رأسه عند رجليها ) ، كما كان في الفتح رأسها عند رجليه ، فالرجلان إشارة إلى قوتيهما شهوانية وعصبية ؛ إذ بهما تمشي وتسعى لجلب المنافع ووقع المضار ، كأنّه رضي اللّه عنه أشار إلى أنّ مقام العقل عند انتهاء مراتب النفس ، فإنها إذا اطمأنت فيكون ابتداؤه عند انتهائها وانتهاء قواها ، فإنّه يرجع قهقري . والنفس لها ثلاث مراتب : تسمّى فيها النفس أمّارة ، فهي باعتبار غلبة قوى الحيوانية والبهيمية ، ولوامة حيث تنتبه وتلوم نفسها عند المخالفات ، كأنّها تخلط عملا صالحا وآخر سيّئا ، عسى اللّه أن يتوب عليها ، وهي كالمقدمة لظهور العقل الأول وأحكامه ، فلما يكمل استعدادتها ويتطهر مهبط وحيها لخطاب : ( ارجعي إلى أصلك فإني جعلت تحتك سريّا ) ، فيظهر العقل تحتها ، وهو في السلوك قهقري . ( ومولده بالصين ) أقصى البلاد المعمورة وأبعدها إلينا . فلهذا ورد في الحديث : « اطلبوا العلم ولو بالصين » « 1 » مبالغة في البعد ، فالاعتبار

--> ( 1 ) رواه البيهقي في الشعب ( 2 / 253 ) ، وذكره المناوي في فيض القدير ( 1 / 543 ) .