ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني
514
مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )
فإن تحرير هذه المسألة عسير ، وعلى إفهام النظّار غير يسير ، فإن اللفظ يقصر عن بيانها ، والتصور لا يضبطها ؛ لسرعة تقلبها ، وتناقض أحكامها ، فإنها مثل قوله تعالى : وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى [ الأنفال : 17 ] ، فنفى وأثبت : ( وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى ) ، فنفي كون محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وأثبت نفسه وعينه ، وجعل له اسم اللّه ، فهذا حكم هذه المسألة بعينه فافهم . ( ولا يعلم هذا التفصيل إلا العلماء باللّه ) ؛ لأن الحق سمعهم وبصرهم وقواهم ، فيعرفونه به ، ( خاصة ) : أي اختصّ بهذا العلم والذوق العلماء باللّه ، فإنهم يعرفون الأمور كما هي عليه ، فعرفوا بل شهدوا ، بل ذاقوا أن الوجود من حيث ذاته واجب ، ومن حيث تعيناته وصوره ممكن ، وإنما قلنا خاصة ؛ لأن علم إلحاق الممكن بالوجوب كإلحاق المحال بالممكن ، وهو مختصّ بأهل العناية والكشف ، فإنهم علموا به تعالى ، ولكن علم إلحاق الممكن بالمحال أصعب عندهم من إلحاق الواجب بالممكن ؛ لأن إلحاق الممكن بالمحال ، وهو عدم وقوع خلاف المعلوم مع إمكانه في نفسه ، فهذا إلحاق الممكن بالمحال . فنقول في الذي قلنا : ممكنا عقلا ، محالا عقلا ، فداخلت الرتب فلحق المحال بالممكن : أي برتبته ، ولحق الممكن برتبة المحال ، وبسبب تداخل الخلق في الحق ، والحق في الخلق بالتجلّي ، والأسماء الإلهية والكونية ، فأنبهم الأمر عند صاحب النظر والفكر ، فلا يميز الأمرين إلا صاحب العينين ، من رأى وعلم التوالج والتداخل كيف يولج الليل في النهار ، ويولج النهار في الليل ؟ وكيف يسلخ منه النهار علما وذوقا ، فهو العالم باللّه حقّا . قال الخراز من هذا المقام : عرفت بجميع الأضداد ، فافهم . قال المصنف رضي اللّه عنه : [ وعلى قدم شيث يكون آخر مولود يولد من هذا النوع الإنساني . وهو حامل أسراره ، وليس بعده ولد في هذا النوع . فهو خاتم الأولاد ، وتولد معه أخت له