ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني
494
مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )
والعلم به محال حصوله لغيره ، فمحال حصول هذا العلم لغيره تعالى ، قال رضي اللّه عنه في الباب الرابع والتسعين وثلاثمائة من « الفتوحات » : هذه المسألة ما أحد نبّه عليها ، فإنها صعبة التّصور ، بل ولا يدري ذلك إلا من وقع له الإسراء التجلّي ، وهو إسراء حل تركيبهم ، فيوقفهم بهذا الإسراء على ما يناسبهم من كل عالم ، بأن يميّز بهم على أصناف العالم المركّب والبسيط ، فيترك مع كل عالم من ذاته ما يناسبه . وصورة تركه معه أن يرسل اللّه بينه وبين ما ترك حجابا ، فلا يشهده ، ويبقى له ما بقي هكذا هكذا ، حتى يفنى منه كل الأجزاء الكونية ، ويبقى بالسرّ الإلهي الذي هو الوجه الخاص الذي من اللّه له ، فإذا بقي وحده رفع عنه حجاب الستر ، فيبقى معه تعالى كما بقي كل شيء منه مع مناسبة ، فيبقى العبد في هذا هو لا هو . فإذا بقي هو لا هو أسري به من حيث هو إسراء معنويّا لطيفا فيه ؛ لأنه في الأصل على صورة الحق ؛ ليريه من آياته فيه ، فإذا رجع إلى عالم الحسّ عاد لتركب ذاته ، فما زال يمر بهم على أصفاف العالم ، ويأخذ من كل عالم ما ترك عنده في ذاته ، فلا يزال يظهر طورا بعد طور إلى أن يصل إلى أرض طبعه ، فرأى نفسه معاني مجسدة ، وهذا طريق معرفة هذه المسألة ، فافهم . فإذا عرفت هذا أن المعاني وعلوم المنح تجوهرت وتجسّدت ، وصارت روحا خاصّا مسمّى بشيث يعني : تجوهرت العطايا على صورة شيث ، فكل روح لا ينال منها إلا بها ، فإنه عليه السلام عينها ، وأول تعين لهذا التجلّي الخاص ، فافهم . ( ما عدا روح الختم ) ، وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ [ يوسف : 76 ] ؛ لأن روحه خاتم الأرواح ، وهو يشرف على الكل ، ولا يشرفون عليه ، وإلا يكون ختما ، وهو ختم اللّه الدوائر الكمالية ، وصاحب أوسع التجلّيات ، فيحيط ولا يحاط . وبيان ذلك أنّ نهاية الأرواح الكمالية البشرية رؤية الغاية والنهاية ، والختم لا نهاية له ، واللّه من ورائهم محيط ؛ لأن الصورة الإلهية به كملت ، وفيه على الكمال شهدت ،