ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني

492

مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )

حدس من نفس السؤال ، فإن السائل حيث سأل أعطاها الجواب في عين سؤاله إيّاها ، حيث قال : أهكذا عرشك ، وما قال : هذا عرشك ، كأنه لقّنها الجواب ، فهذا من مقام قوله تعالى : ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ [ الانفطار : 6 ] . فإنه تلقين جواب في عين السؤال من العناية التي له تعالى بعبده ، فافهم ( الذي يعول عليه ) ، فينبغي أن تعلم أن الأسماء الإلهيّة غير متناهية ، ومظاهرها حقائق الممكنات غير متناهية ، فالمعطي غير متناه لا كما قاله صاحب الذوق المقيّد ، لمّا رأى التكرار كتكرار الأيام والليالي والشهور ، فقال : بالدور ، والذي ما يقول بالتكرار لا يقول بالدور ؛ بل يسمّى النهار الجديد والليل الجديد ، وليس عنده تكرار جملة واحدة ، فالأمر عنده له بدء وليس له غاية ، كما فهمت من تفصيلنا آنفا . فما حجب أهل الدور أن يقولوا : كمال أوسع الكشوف إلا قوله : وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [ البقرة : 245 ] ، فسمّاه رجوعا ؛ وذلك لكونه يشغلهم عنه بالنظر إلى ذواتهم ، وذوات العالم عند صدورها من اللّه . فإذا وفوا النظر فيما وجد من العالم تعلقوا باللّه ، فتخيلوا أنهم رجعوا إليهم من حيث صدورهم عنه ، وما علموا أن الحقيقة الإلهيّة التي صدروا عنها ، وإنما نظروا لكونهم رجعوا إلى النّظر في الإله بعد ما كانوا ناظرين في نفوسهم ، لما لم يصح أن يكون وراء اللّه مرمى ، فما قال : بالدور إلا من جهل ما يخلق فيه على الدوام والاستمرار ، ومن لا علم له بنفسه ولا علم له بربه . قال بعض العارفين في هذا المقام : النفس بحر لا ساحل له ، يشير إلى عدم التناهي ، فافهم . قال الشيخ المصنف رضي اللّه عنه : [ وهذا العلم كان علم شيث - عليه السلام - وروحه هو الممد لكل من يتكلم في مثل هذا من الأرواح ما عدا روح الخاتم فإنه لا تأتيه المادة إلا من اللّه لا من روح من الأرواح ، بل من روحه تكون المادة لجميع الأرواح .