ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني
484
مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )
حضرة الوجوب إلى حضرة الإمكان ، وكذلك عدل بالممكنات من حضرة ثبوتهم إلى وجودهم ، فأوجدهم بعد أن لم يكونوا ، بكونه جعلهم مظاهر ، وبكونه كان محلّا لظهور إمكانهم . وهذا كله من خزانة العدل ، ومنها يقسم اللّه العدل في العالم بين عباده ، وحظ الكامل منه أنّه إذا كشف اللّه عن ذاته ، فرأى جميع العالم في حضرته ، ورأى رقائق بينه وبين كل جزء من العالم ، فحمد يحسن إلى العالم من نفسه على تلك الرقائق ، فيعطي على حكم الأصل كل ذي حقّ حقه ، كما أعطي الأصل كل شيء خلقه ، فيوصل الإحسان لكل ما في العالم بهمته من الغيب ، كما يوصله الحق من الأسباب لكل برّ وفاجر ، فيجهله العالم ذلك الإحسان من الكامل ؛ لأنّه لا يشهده في الإحسان كما يجهل الحق بالأسباب « 1 » . فيقال : لولا كذا ما كان كذا ، فإذا حققت النظر في الوجهين الحقي والخلقي ، فما أحسن أحد إلا لنفسه ، والتنبيه على ذلك من جهة العبد ، قوله سبحانه : إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً [ الإسراء : 7 ] .
--> ( 1 ) قال الشيخ الشرقاوي في شرح حزب الستار : العدل : هو البرئ من الظلم في أحكامه المنزّه عن الجور في أفعاله ، والتقرّب بهذا الاسم تعلّقا أن تخاف سطوة عدله ، وترجو رقة فضله ، ولا تأمن من مكره ، وتخلّقا أن تكون عدلا في أحكامك ، وأفعالك ، وأوصافك ، فلا تظلم أحدا ، ولا تميل إلى طرف إفراط ولا تفريط في أمرك كله . وخاصيته : تسخير القلوب ، فمن كتبه ليلة الجمعة على عشرين كسرة من الخبز وأكله ؛ سخّر اللّه له جميع الخلق . وفي « الأربعين الإدريسية » : يا كريم العفو ، والعدل قد يملأ كل شيء عدله ، من دوامه من ولاة بحكم ؛ انتشر عدله ، وذكره ، وكذا علمه إن كان عالما ، وباللّه التوفيق .