ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني
474
مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )
مقام المحبة ، كما جاء في الأثر : « فاتبعوني يحببكم اللّه » « 1 » . ومن المحبة إلى مقام قرب النوافل حتى تكون هوية الحق عين قواه من مقام : « كنت سمعه وبصره « 2 » » ، وهو سبحانه غني لذاته الذي لا يمكن إزالته عنه ، فإذا أقام العبد في هذا المقام فقد أعطاه صفة الغنى عنه وعن كل شيء ؛ لأن هويته هي أعيان قوى هذا العبد المغتني المقتني ، وليس ذلك في تقاسيم العطاء ، إلا الإيثار فقد أثر عبده بما هو له ، ولما كان الإيثار فضلا يرجع إلى المعطى المؤثر كان الحق سبحانه أحق بصفة الفضل ، فعطاء الإيثار أحق في حق الحق ، وأتم في حق الخلق ، فافهم . وإذا عرفت هذا اعلم أن المنح الأسمائية : أي المنح الأسمائية وعطائها ( خلقه رحمة منه بهم ) ، بل من حضرة المنح والعطايا أوجد العالم ، وأنزل النواميس والشرائع ، فهي الخير المحض بما فيها من الأمور المؤلمة المنازعة ، لا يتعلّق به الأعراض النفسية التي خلقها اللّه بالرحمة ، كخلق الأدوية الكريمة البعضية للمزاج الخاص ، وأغرب من ذلك أن المزاج الصحيح المعتدل بخروجه عن الاعتدال ، ووقوعه في الانحراف والمرض ، قد يلتذ بأكثر من صحيح المزاج ، كمن يلتذ بالحكاك قريب الإنزال ، ويعرف ذلك من ذاقه وجربه ، إنه يمكنه أن يدرك مطلوبه بأمر غير ملائم المزاج ، فافهم . فهذا كله عطاء إلهي كلا نمد هؤلاء ، وهؤلاء أصحاب الجنة ، وهؤلاء أصحاب النار ، من عطاء ربك ، فعم الجميع مع اختلاف الأذواق ، وما كان عطاء ربك محظورا : أي ممنوعا لإحدى الطائفتين ، واحد يريد اللذة في الجنان فأعطاه سؤله ، وآخر يريد العذوبة في العذاب ، واللذة في النيران فأعطاه سؤله ، ومن هذا الذوق « 3 » ما
--> ( 1 ) فسرها الشيخ الهروي في المنازل بأنها : تعلق القلب بين الهمة والأنس في البذل والمنع ، أي بذل النفس للمحبوب ، ومنع القلب من التعرض إلى ما سواه ، وإنما يكون ذلك بإفراد المحب بمحبوبه بالتوجه إليه ، والإعراض عما عداه ، وذلك عندما ينسى أوصاف نفسه في ذكر محاسن حبه ، فتذهب ملاحظته الثنية . . وانظر : لطائف الأعلام للشيخ القاشاني قدس سره ( ص 390 ) . ( 2 ) تقدم تخريجه . ( 3 ) قال سيدي محمد وفا رضي اللّه عنه وعنّا به : الذوق هو إدراك في القلب ، يميز به بين أشخاص -