ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني
450
مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )
إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي [ آل عمران : 31 ] ، فجعل الاتباع دليلا ، وما قال في شيء دون شيء . وقال تعالى : لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [ الأحزاب : 21 ] ، وهو الاتّباع ، وكمال الاتباع أن يكون القرآن خلقه كما كان خلقه صلى اللّه عليه وسلم . قال رضي اللّه عنه في أول الفتوحات : لما شاهدته صلى اللّه عليه وسلم في مكاشفة قلبية في حضرة غيبية قال لي : « إن فيك شعرة مني لا صبر لها عني هي السلطانة في ذاتيتك ، فلا ترجع إليّ إلا بكليتيك ، فلا بدّ من الرجوع إليه « 1 » » . انتهى كلامه رضي اللّه عنه . وبعد الرجوع فبقدر رجوعه إليه يكون رجوعه إليه ، ( فذلك ) : أي كونه تابعا لما جاء به الرسول ( لا يقدح في مقامه ) ، وهو البطون من الظهور المحمّدي ، والأخذ منه ظاهرا ( لا يناقض ما ذهبنا إليه ) ؛ لأن الباطن يأخذ من الظاهر ما ظهر من الأحكام ؛ لأن له أحكاما مختصّة بالظهور من مقام ( حتى نعلم ) ، والظاهر يأخذ من الباطن . أما ترى إشارة قوله تعالى : يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [ الفتح : 10 ] ، وما كان سوى يد محمد صلى اللّه عليه وسلم أنه الظاهر في العالم بختم النبوة والرسالة ، والباطن عنه بختم الولاية ، فجمع الأول والآخر ، والظاهر والباطن ، فلما ظهر له وجهان له يدان فقلنا ( من وجه يكون أنزل ) : أي من حيث الأخذ ، ( كما أنه من وجه يكون أعلا ) . ورد في الخبر أن : « اليد العليا خير من اليد السّفلى « 2 » » . ولا نعرف لها الخيرية سوى أنها معطية والسفلى آخذة ، مع أن الآخذة كانت يد الرحمن ، قال تعالى : أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ [ التوبة : 104 ] . ( وقد ظهر في ظاهر شرعنا ما يؤيد ما ذهبنا إليه ) ، وهو أخذ الفاضل من المفضول ، كما ظهر ( في فضل عمر رضي اللّه عنه في أسارى بدر بالحكم فيهم ) .
--> ( 1 ) هذا حديث كشفيّ صحيح . ( 2 ) رواه البخاري ( 2 / 518 ) ، ومسلم ( 2 / 717 ) .