ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني
448
مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )
« إن للّه عبادا ليسوا بأنبياء ولا رسلا ويغبطهم الأنبياء « 1 » » . قال رضي اللّه عنه : وذلك للعلوم التي عندهم ، بل قيل : إن الأنبياء عليهم السلام كانوا يلحون أولياؤهم أن يدعوا لهم ، وكان داود عليه السلام إذا عرضت له حاجة جاء بزهاد أمته المجاهدين ، وأقامهم في محاريبهم ، ووكّل بكل واحد منهم صاحب مزمار ؛ ليقطع قلب المصلي بلذة نغمته عن الشواغل ، حتى يتفرّغ لحاجته عليه السلام فتسرع الإجابة ، وهكذا نبينا صلى اللّه عليه وسلم أمرنا أن نسأل له الوسيلة ، وأمر صلى اللّه عليه وسلم عمر وعليّا أن يسألا من أويس القرني رضي اللّه عنهم أن يدعو لهما وللأمة . وهذا كله عين ما قلناه من أخذ الفاضل من المفضول ، بل إذا ثبت أن العلم تابع المعلوم ، والمعلومات من حيث أعيانها تعطي العلم الصحيح بذواتها ، فأنت قلت : إنه بالعلم متى ، بحيث لم يشعر به ، فكيف تستنكف بالخلق أن يقال فيه فاضل يأخذ من المفضول ، وقد أثبت مثل هذا الأخذ في الإلهيات فافهم ، ( فكيف من دونهم من الأولياء ) : أي إذا الأنبياء والرّسل عليهم السلام من حيث بواطنهم ، يأخذون من خاتم الخاتم مع شرفهم ، وعلو مقامهم ، فكيف يسع من دونهم من الأولياء أن يستنكف من ذلك ، أَ كانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ [ يونس : 2 ] ، فإن قيل : قال اللّه تعالى في عبده : وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً [ الكهف : 65 ] ، الظاهر أنه بلا واسطة . وأخبر الشيخ رضي اللّه عنه أن العبد يأخذ العطايا والمنح بلا واسطة بينه وبين الحق ، بل من الوجه الخاص أطلق ولم يقيد ، فكيف الجمع بينه وبين الذي قال الآن رضي اللّه عنه : إن العلم الذي يعطي السكوت خالصة للخاتمين خاصة ، ولا يراه أحدا إلا من مشكاة خاتم الولاية المحمّدية ، وغيرهما يأخذ من مشكاة ختم الختم عامة ، قلنا : إن المراد من العطايا والمنح التي بواسطة وبلا واسطة هي العطايا الشيئية ، ويكون علم خضر عليه السلام من
--> ( 1 ) رواه أبو داود ( 3 / 288 ) ، والنسائي ( 6 / 362 ) ، والحاكم في المستدرك ( 4 / 188 ) ، والبيهقي في الشعب ( 6 / 187 ) .