ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني

437

مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )

وأما حوادث الأكوان فلا تعلق لخواطرهم بها ، فتحقق ما ذكرناه . ولما مثّل النبي صلى اللّه عليه وسلم النبوة بالحائط من اللبن ، وقد كمل سوى موضع لبنة واحدة ، فكان صلى اللّه عليه وسلم تلك اللبنة غير أنه صلى اللّه عليه وسلم لا يراها إلا كما قال لبنة واحدة . وأما خاتم الأولياء فلا بد له من هذه الرؤيا فيرى ما مثله به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ويرى في الحائط موضع لبنتين واللبنتان من ذهب وفضة . فيرى اللبنتين ينقص الحائط عنهما ويكمل بهما ، لبنة ذهب ولبنة فضة فلا بد أن يرى نفسه تنطبع في موضع تينك اللبنتين ، فيكون خاتم الأولياء تينك اللبنتين فيكمل الحائط ] . قال الشارح رضي اللّه عنه : ( فإذا ذقت هذا ) : أي أدركت بطريق الذوق والوجود : أي لا بمجرد العلم والعرفان : أي مقام التجلي الذاتي على صورتك : أي رؤية نفسك في الحق كأنّك أنت ولا أنت ، كأنّه هو ولا هو . ( ذقت الغاية التي ليس فوقها غيره في حق المخلوق ) ؛ وهي الحيرة الكبرى . كما قال الصديق الأكبر رضي اللّه عنه : العجز عن درك الإدراك ، إدراك ؛ وبيان ذلك أنّ الحضرة التي وقعت الرؤية فيها برزخية خيالية وسلطانها من الألفاظ ، كأنّه أشار إلى هذا المعنى الحديث الشريف الذي يقول : « أن تعبد اللّه كأنك تراه » « 1 » . يعني : كأنّك بكاف التشبيه هذه أتم من أن تراه بالنسبة إلى العابد ؛ لأنّ الرؤية تغطي الحجاب والاثنينيّة ، ولا بد بخلاف كان ، فإنّ فيها رائحة الكشف وبيان الواقع ؛ لأنّه أمر برزخي بين فاصل ، بين معلوم ومجهول ، معدوم وموجود . وليس ذلك إلا الخيال فإنّك أدركت شيئا وجوديا بأن وقع بصرك عليه وتعلم قطعا بالدليل ؛ أنّه ما ثم شيء رأسا ؛ لأنّ كل شيء هالك في ذاته وفي نفسه ورأيت شيئا قد علمته أنّه لا شيء ، فأثبتت وجودا نفيه في حال إثباتك إياه في الخيال . كما قررناه في المثل المضروب في المرآة ، فتقع في الرائي حيرة حتى نقول هل بهذا

--> ( 1 ) تقدم تخريجه .