ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني
433
مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )
« من عرف نفسه فقد عرف ربه » « 1 » ، ثم تبعد الدلالة بقدر المناسبة وأقرب الشيء إلى الشيء نفسه . قال تعالى : تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ [ المائدة : 117 ] . لأنّها لك ولا أعلم ما فيها مما أخفيت من قرة أعين ؛ لأنّه غيب عنه صلى اللّه عليه وسلم وذلك من بعد المناسبة بين العبد وبين ربه مع علمه . ( بأنّها رأى صورته إلا فيه ) والذي رأى فيه صورته لا غير ؛ وذلك لأنّه رأى الوجود كالمرآة لم يكد يراه ورأى عينه فيه محصورة بحكم . كما قال اللّه تعالى : وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ [ الصافات : 164 ] . فالحصر عمّ الوجود ومحصور يحصر ما ، مع أنّه يعلم أنّه عينه من حيث كونه عدما له إطلاق صرف ، ولكن يحكم الاتصاف بالوجود والظهور فيه ، أعطي للعين الحصر وانحصرت فيه ؛ لأنّ الحصر من لوازم أحكام الوجود ، فيعلم أن التي رآها ليست صورته ، فيحكم الأمر أنّ المتناقضان المتضادان في آن واحد . ( كالمرآة في الشاهد ) أراد رضي اللّه عنه لتوضيح الأمر أن يقيس الغائب على الشاهد ، وضرب مثل ( إذا رأيت الصور فيها لا تراها ) : أي لا ترى نفس المرآة وجرمها وعينها : أي حين نظرك صورته لم تر صورة المرآة ، كما قيل لا يصدر من الواحد إلا الواحد . أما ترى جرم المرآة ما ترى نفسك وصورتك فيها مع علمك أنك مهما رأيت الصور أو صورتك إلا فيها مثله كمثل الضوء أنّه يرى به كل شيء ، وهو لا يرى بل ولا يمكننا أن نشير إليه . فهو تعالى غائب حاضر منظور ناظر ، باطن ظاهر ، إنّ هذا لشيء عجاب وللّه المثل الأعلى ، وهو العزيز الذي لا يرى من حيث هويته الحكيم ، حتى يقال : إنّه يرى من حيث ذاته .
--> ( 1 ) تقدم تخريجه .