ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني
383
مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )
وعلم عند ذلك كيف يكون الإنسان في مكانين وهو عينه لا غيره ؛ فكان له كالصورة المرئيّة والصور المرئيّات في المرآة والمرائي ، ذكره رضي اللّه عنه في الباب التاسع والستين وثلاثمائة من « الفتوحات » . وهذا العلم لا يدرك بالعقل وهذا من علوم التجلّيات التي تجمع الأضداد بل يرى الأضداد عينه . قال رضي اللّه عنه في الباب الخامس وثلاثمائة من « الفتوحات » للإنسان في كل عالم من عالم الأرواح والأعيان الثابتة وعالم الخيال ، وغيرها صورة بل في كل مقام وعلمه بصورته إن كان صاحب الكشف بل في كل مقام ، وكما أنّ لنا صورة ووجودا في صورته ، ووجوده كذلك له صورة ووجوده من صورنا وجودنا ، كما في الميثاق كان معنا من صورة ظهوره ، فشهد معنا كما شهدنا ، فهذا آدم وذريّته صور قائمة في قبضة الحق ، وهذا آدم خارج عن تلك القبضة وعن تلك اليد ، فهو يصير صورته العنصرية ، وصورة ذريته وبنيه في يده ، وهو خارج عنها . ثم قال رضي اللّه عنه : فاعرف ذلك وأكثر من هذا التأنيس ما أقدر لك عليه فلا تكن ممن قال فيهم عزّ وجل : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ [ البقرة : 171 ] . وقال تعالى : إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ [ الأنفال : 22 ] . وأخذ اللّه الصور من ظهر آدم ، وآدم فيهم وأشهدهم على أنفسهم بحضرة الملأ الأعلى والصور التي لهم في كل محل ؛ لقوله تعالي : أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى [ الأعراف : 172 ] . فالإنسان عالم بجميع الأمور الخفيّة فيه من حيث روحه المدبّر ، وهو لا يعلم أنه يعلم ، قال تعالى : فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ [ السجدة : 17 ] . فهو الناسي والساهي ، والأحوال والمقامات والمنازل تذكره ، وهو رجل يدري ولا يدري أنّه يدري .