ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني
378
مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )
أدب الحقيقة وهو : ترك الأدب بفنائك عن نفسك وردّك الأمر كله إلى اللّه ، والذي نحن بصدد بيانه أدب النبوّات على ذوق حكم النصوص وحكمها ؛ وهو أن لا يتعدى علمك في الأشياء علمه تعالى فيها ، وهو الموافقة وإن أعطاك علمك خلاف ذلك ، لا سيما فيما أضافه الحق إلى نفسه وإلى خلقه فأضفها إلى من أضافها اللّه ، وأنزل علمك لعلمه ، فإنه العليم وأنت العالم ، فلا ترجّح على علمه من حيث قيام الدليل لك على أنه لا فاعل إلا اللّه تعالى وفي أدب الحقيقة . قال تعالى : بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً [ الرعد : 31 ] . وقال تعالى : قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ [ آل عمران : 154 ] . وقال تعالى : لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ [ آل عمران : 128 ] . وقال تعالى : قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [ النساء : 78 ] . وقال له موسى عليه السلام : إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ [ الأعراف : 155 ] وكما ورد عن الصدّيق الأكبر رضي اللّه عنه أنه قال : الطبيب أمرضني أسند المرض إلى الحق بخلاف ما فعل الخليل عليه السلام فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها [ الكهف : 7 ] . قال تعالى : فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما [ الكهف : 82 ] . فالتارك للأدب أديب من حيث الكشف والشهور يغاين جريان المقادير قبل وقوعها ، كما قال : ما رأيت شيئا إلا ورأيت اللّه قبله ، فنزل من الحق إلى الخلق . فاعلم أن للّه تعالى تجلّيين : تجلّ نفسك عنك وعن أحكامك ، فما يرى صاحب هذا التجليّ سوى الحق ، وتجلّ بنفيك معك ومع أحكامك ، ومن أحكامك ملازمة الأدب في الأخذ والعطاء ، فمثل هذا التجليّ أسأل اللّه ما دمت في دار التكليف ؛ فإذا انتقلت إلى غير هذا الموطن ، فكن بحسب الموطن تكن أديبا وبأحكام المواطن عليما ، فإذا قمت في كل موطن باستحقاقه تحمدك المواطن ، والمواطن شهداء عدل عند اللّه ؛ فإنها لا تشهد إلا بالصدق ، وقد نصحتك فاعمل تكن أديبا فإن لكل موطن أدبا مختصا به ، فكل وقت له حال بنطقه ، وكل حال له معنى يحققه ، فلا تخلط وكن من