ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني
367
مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )
وقال اللّه تعالى : وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [ البقرة : 282 ] ، جعل التقوى طريقتنا إلى حصول العلم النافع . والتقوى أن يجعل اللّه وقاية له في الخير كله ، فإن الحق تعالى عين الوجود ، والوجود فخير محض ، ويجعل نفسه وقاية اللّه في الشر ، فإنه عدم ، والعدم شر كله . وأشار إلى هذا الأدب معلم الخير صلى اللّه عليه وسلم حيث قال : « والخير كله بيدك ، والشر ليس إليك » « 1 » ولو لم يئس نفسه ولو أدخله الجوّاد في الميزان . وقال : إنه خلقه على صورته ، فيوازن بصورته حضرة موجدة ذاتا ، وصفة ، وفعلا ، فلا يلزم من الوزن الاشتراك في حقيقة الموزونين ؛ فإن ما يوزن به الذهب المسكوك هو سنجة حديد ، إذا وزنت نفسك بهذا الميزان عرفت نفسك ؛ وهو ميزان الشريعة ومعرفة النفس ، وزال عنك ما توهمته في الصورة من أنه ذات وأنت ذات أنك موصوف بالعلم والحياة ، وهو الحي العالم ، ولكن أنت فقير محتاج ، وهو اللّه الغني وهو الوجود ، وأنت المعدوم المفقود ، وكل من ادّعى الربوبية من كلمة فرعون إلى قول الإنسان : لولا قلت كذا كان كذا ، ولولا همتي كان كذا . وهذه كلها علل وأمراض من داء سر الألوهية ، وكل واحدة من هذه الأصناف يعاقب ويعاتب على قدره ، فهذه أدواء كثيرة ودوائها التقوى . قال رضي اللّه عنه : أعظم الفتن التي أفتن اللّه تعالى بها الإنسان الكامل تعريفه إياه بأنه خلقه على الصورة ؛ ليرى هل يقف مع عبوديته ؟ وسواء داء مكانه ، أو يزهو الأجل مكانه ، ومكانة صورته ، فإنه تعالى ما أظهر الصورة المثلية في هذه النشأة على التشريف فقط ، بل هي شرف وابتلاء ، من ظهر يحكم الصورة على الكمال ، أن يخرق حجاب سر الجمعية العامة الكبريائية ؛ حتى يشاهد ألوهية ربه دون ألوهيته ، فقد حان الشرف بكلتا يديه ، فإن الصورة الإلهية الكاملة لا يلحقها ذما بكل وجه .
--> ( 1 ) رواه البيهقي في الكبرى ( 2 / 32 ) ، وأبو نعيم في الحلية ( 8 / 39 ) بنحوه ، وذكره القرطبي في تفسيره ( 19 / 188 ) .